الواقع كضيف ثقيل الظل


قراءة في " كل ما صنع الحداد "

إيهاب خليفة

ثمة إشكالية أولى تعترض القارئ الذي يطالع مجموعة " كل ما صنع الحداد " للشاعر محمود خير الله والصادر عن دار صفصافة حيث تتحرش النصوص بالقارئ " البرجوازي " و تتبني سلطة النفي و الإقصاء من خلال تضييق حيز التلقي لها وتوجيهه إلى قارئها خاص :

يا مَنْ رأيتُم العجوز ينزف / فهربتْ سياراتُكم بسُرعة ، / يا مَنْ بيننا وبينهم / "كُلّ ما صَنَع الحدّاد"
يا مَنْ تقول الواحدة من زوجاتِكُم للقمر: / "قـُمْ لأقعدَ مكانك " / يا مَنْ أخذتُـم كُل الهواء / وكُل الزهور، / لأجل بلْكوناِتكُم و مقابِرِكُم، / يا مَنْ تذكّروننا دائماً بالسؤال: / "مَنْ أنتم؟ ومِن أين ؟"..

لا تقرءوا هذه القصيدة، / فهي مكتُوبةٌ لغيركم، / لغيركم بكل تأكيد.

هنا يلفتنا معاداة الآخر المتجسد في " الطبقة البرجوازية " وتحييده من حيث التلقي للنصوص مما يشير إلى أن التلقي يتوجه إلى النقيض وهو القارئ " البروليتاري " ، النصوص هنا تعادي " البرجوازي " في تلقيها وتقصيه فالنصوص لم تكتب له أصلا ، و لكن في الحقيقة لا تتوجه هذه النصوص أيضا " للبروليتاري " بل هي تتواشج معه باعتباره موضوعها الأثير ونبعها الذي تستقى منه شعرية الديوان ، حيث تؤكد النصوص انسحاق الذوات البروليتارية انسحاقا تاما و تغول الرأسمالية ، وانتفاء العدالة الاجتماعية ، النصوص إذن تتكئ على تمرد كامن وتحرض ضد الكيانات المتغطرسة التي أخذت كل الأزهار وكل الهواء وتركت العجوز ينزف بادئة بخدشها لجمود الكوسموبوليتية و ممهدة للثورة ضدها متجاهلة أفكار فوكوياما حيث التاريخ لم ينته بعد و حيث النسق الرمزي للأفكار و المعتقدات يسعى لخلق الوعي الجمعي ، يعاود الشعر في نصوص المجموعة امتلاءه وينفر من خوائه حيث يتحرر نهائيا من التفافه حول هزائم الذات المؤسسة لقطيعة معرفية و المنبتة عن الجماعة ، يجر هنا محمود خير الله الشعر إلى نبعه الأول يستعيد للكتابة غايتها التي عاشت كلقيطة لا تجد موطئ قدم لها في قصيدة النثر غالبا .

تبدأ نصوص " كل ما صنع الحداد " بميراث اليد ، اليد التي تقترف حقائقها ، و تحيا سيرورة خاصة ، تسرد الذات الشاعرة جرائر اليد كتاريخ مستقل وتبدأ من شيخوختها وانعدام فعلها :

( أُخْفيها عن نفسي أحياناً / كأنّها جثّة،/ لم تعُد خَشِنةً ،/ ولم تعد قادرةً على ارتكابِ شيء )

...( يدي مُسِنّة،/ أصابعُها تزدادُ نحولةً كل يوم،/ كأنّ أحداً يَمسحُها بذكرياتهِ )

يرمز الشاعر هنا لليد باعتبارها أداة عدوانية تتصارع مع الذات وتنهي الصراع لصالحها حيث تزدهر في الوقت الذي تضمحل فيه الإنسانية ، فالإنسان يعادي نفسه بتلك اليد ويخلق أدوات تقهره إنه يخلق الشيء الذي يضخم قوته " كل ما صنع الحداد " بينما يقف أمامه عاجزا ، اليد هنا كيان معاد (يدي ولِدتْ مُسالمة،وبعد دورةٍ أو دورتيْن، لم تعُد يداً بريئة،)اليد تهجر كيانها ووطنها ( أتوقع أن تخلعني يدي ذات مرة وتمشي بعيدا عني ) تنتقض اليد على صاحبها وتصبح خالقة للشر بسبب هيئتها ووظيفتها في الجسد إن ذلك قدرها ولعنتها التي لا تستطيع الفكاك منها ، فاليد هي المحرك والجسد تابع أعمى لمشيئتها وهيمنتها و لا يجد الجسد سوى أن يستسلم لها بسعادة البلهاء .

( عرفت أناسا يعيشون سعداء/ لأن أيديهم انتصرت عليهم / وصارت أحسن منهم )

بينما تسعى النصوص جاهدة لإعادة خلق الوعي الجمعي واستنفار ما تبقى في الذات والآخر معا قارنة السخرية بالألم الدفين و ملامسة للتناقضات التي تحيا معنا في مواطنة غير شرعية ، ففي " حفرة "يشير الشاعر إلى تلك الهوة السحيقة التي تترسخ بين الآني والمستقبلي ، وبين الواقع والحلم بحيث تولد هوات سحيقة بين الذات ومتطلباتها والحفرة هنا هي الهوة الطبقية الشاسعة التي يكاد اجتيازها أن يكون مستحيلا :

قالت المُرتّباتُ: / دجاجةٌ واحدة تكفي / كل أسبوع ، / ردّت الفتارينُ عليها ساخرةً:
عشرةُ أعمارٍ/ على أعمارِكم / لا تكفي، / أيّها السّادة.

يحضر الواقع " في كل ما صنع الحداد " كضيف ثقيل الظل بينما تتنقل عين الشاعر لتلتقط مشاهد سينمائية ، تقع العين هنا على حياة خبيئة وهي رغم بروزها على السطح إلا أن أحدا لا يقف أمامها ، إنها كالذي يفتح دولابا منسيا لإرث قديم تخرج مقتنياته تتأمل اهتراء الأنسجة وما فيها من رقع حيث الرتوق تتسع و كلما حاك الشاعر جانبا ، اهترأ آخر ، فتارة تتبدى الغرف الشعبية في أحياء الفقراء حيث لا شيء سوى مساحة مقفلة على أصحابها حيث الاحتشاد و السعادة المؤجلة :

في الأحياء التي نسكُنُ فيها،/ أنا وأنتم،/ تيارُ ماءٍ ينقطع،/ مساء كلّ "خميس"..
في البيوت التي نستأجرُ غُرفاً فيها،/ تكون ضيّقةً في الغالب، /نتشاجر كُل عدة أيام
مع الهواء الشحيح،/ والذباب،/ وأبناء الجيران،/ كذا في الأسرّة التي نرتمي عليها،
نحن وزوجاتُنا،/ يتعطّل القلبُ ليلةَ كاملةً،
/ من دون أن نعرفَ،/ أنا وأنتم/ السَّبَبْ.

و تارة تخرج كائنات الشوارع لتلتقط خاصتها من السلال حيث موائد الكائنات المنسية و التي صارت عادية في ظل حالة عامة من التردى المجتمعي :

في الضِفَّة الأُخْرى من هذا الشارعِ، / ذلك الولدُ الصّغير، / الذي لم يَعُدْ يُخفي وَجْهَه / وهو يأكلُ من القِمامة، / مثلما كان يفعل، / قبل أن تَـبدأ الحربُ.

وتارة ثالثة تسرد مبررات الانهيار المجتمعي من خلال جرح الجمود الديني بمقولاته الجاهزة و ترديداته الببغائية ، ونكوص العقل أمام النقل وبناء يوتوبيا وهمية لا تتحقق إلا على المنابر من خلال فكر متكلس حيث يحكم الموتى بمقولاتهم الأحياء وتنسحب الحياة لتكون تجسيدا هزيلا ليد الماضي التي تحركها وتقهرها حيث تبني المساجد الآن وتزخرف بينما لا يتم تجديد الفكر الديني :

( رغم كل شيء، / تلعبُ المساجد دوراً على نحوٍ ما،/ لها ملائكةٌ طيبون/ ومصابيح مُنْتَعِشة،
لها مقابِضَ من ِفضّة،/ ومن جدرانها "تَرْشح" القداسة،/ وحتى لو انحشر البولُ فجأةً،
وكان على الواحد أنْ يفعلَ شيئا،/ فلا يتذكّر سواها / الملاعب المغسولة بالفضيلة،
التي تصلُحُ دائماً،/ لقضاء الحاجة، )

وهكذا ترزخ النصوص تحت هيمنة الواقع بسوداويته حتى في مجاوزتها و تخييلاتها وتصطدم النصوص كذلك بالسلطة المتذرعة باليقين والمتقنعة بانتسابها للعقيدة حيث تنسب مقولاتها إلى حيز متعال وعليم لا تجب مناوأته وبالتعالي تمسي الديمقراطية هباء و تتوحش السلطة مدفوعة بمبرراتها

اليقينية الجاهزة في نص من أروع نصوص الديوان :

يا مَنْ تعيشون هنا، / لا تصدقوا السحاب الذي في السماء ، / إنّه فراء زوجة الرئيس / بعدما علّقتْه على شمّاعة الرب، / وإذا صادفْتٌم أسداً هارباً / من حديقة قصْر،/ كذّبوا عيونًكم / لأنه ُمجًّرد صديقِ مخلصٍ / لسعادة الرئيس، )

...

( تأكدوا دائماً من كل شيء.. / انظروا مثلاً إلى سجاجيد القصر، / وهي تنبُضُ تحت أقدامِ الوفودِ الأجنبّية، / إنّها شُعيرات الصبايا / اللائي قًتًلهنّ الوباء.. / )

...

في النهاية أشيد من دون مبالغة بديوان " كل ما صنع الحداد " الذي تخلص من رطانات بائدة ومقولات جاهزة مستهلكة وتخلص من سموم الحيادية والرتابة التي طالما أحالت الشعر إلى مسخ منبوذ فاقد قدرته على التنفس .

مدونة نائية





إيهاب خليفة

النص كميكانو والذات غير متصلة بذاتها

قراءة في " موسيقى طعنتني من الخلف "

للشاعر اليمني فتحي أبوالنصر

***

إيهاب خليفة

توطئة :

ثمة وعي عميق بمنجز قصيدة النثر ومغامرة ضافية لإعادة موضعة اليقين والأنساق الجمالية ووظائفية الحواس، بحيث نجد جماليات النص تنبني على شظايا اليقين الجمالي والمعرفي والتاريخي ، من أجل تكوين ميثولوجيا لذات تضاد نفسها على الدوام ( إن قدمي تؤلمني الآن / لقد مشيت كثيرا ، ولا أعرف السبب الحقيقي / ترى هل كنت أدور حول نفسي ص 202 ) ، تمارس الذات في موسيقى طعنتني من الخلف قطيعة معرفية حادة ومتوترة مع ما هو مقدس ، حيث لا تابوه متحصن ، ولا دال أو مدلول يحيا في برج عاجي ( يلزمك حرب مقدسة مع السماوات / مع الحب ومع القصيدة / معك ص 95 ) ، إنها كذات غير متصلة بذاتها ( الكلمات ميتاتي وطعام الذين لا أعرفهم / هل كان لزاما علي أن أنفصل عني- إلى هذا الحد – حتى لا أختنق بي ؟ ص 27 ) تزيل الركام عن جسد اللغة باعتبار كل حبر سابق تشويها لبدائية اللغة ، وباعتبار كل حبر تال مزيلا لذلك التشويه ومجذرا لتشويه آخر ( تأخذ الأشياء طهارتها حين لا ينتظرها أحد / لكن الأشياء تنتظرها الأشياء دائما / إذن الأشياء – للأسف – ملوثة بذاتها ص 31 ) ، مما يؤكد أن براءة اللغة وشفافيتها ليست متحققة من وجهة النظر الموضوعية إلا كطفرة غير ممهد لها ، ترتكن النصوص لحقيقة اللاحقيقة ، ليقين مخادع لا يلبث أن ينهدم بتلقائية ليقدم لنا شظايا حادة من أسئلة لا تسعى لإجابات ما على أي وجه ، هناك في المقابل استهجان جلي ومتجذر للذات وللآخر ( يا كلاب الصيد / يا كلاب الحراسة / نحن الكلاب الضالة ص 36 ) ، للشعر نفسه ، وللكتابة عموما ( الشاعر يبتسم بعكازين ص 49 ) ، هل تتوجه إذن نصوص " " موسيقى طعنتني من الخلف " إلى عبث ما كامن ومتسلح بهذا الزخم الذي يلمح مرارا ويصرح أحيانا ، الذات الشاعرة هنا تقع فريسة السادية ، لذتها كامنة في خرق المقدس و جرجرة المتعالي على بلاط العادية ، وإعلاء الآني في مقابل الأبدي ، والهش في مقابل المتماسك ، والمنمحي بإزاء المتجذر ، والصدفوي بإزاء المتكرر والنمطي ( كل فزع نبي / وكل فزع أنا / وكل نبي لا أومن به ص 85 ) ، وهذه الذات أيضا تقع فريسة المازوشية فتنتقض على ذاتها مرات وتمارس تشويها لنفسها ( سأشتهي أن أموت منتحرا / وسأكون قبرا لفراشتين ووردة ص 69 ) بينما المتلقى في " موسيقى طعنتني من الخلف " مغدور به على الدوام .

لماذا عنوان كهذا يعمد إلى تشويه البراءة المتضمنة في كلمة موسيقى إنه لا يصم النشاز بالطعن ، ولماذا يكون الطعن من الخلف ، أكانت الذات مطمئنة وغير متوقعة لغدر ما ؟ هل ثمة استدعاء ما لميراث الغدر المطلق في التخلص من الخصوم ؟ ولماذا تشير طعنتني إلى تحقق ماضوي منته ومنقض ولا تؤشر إلى استمرارية واستشراف آت ؟ ثم كيف تكون طعنة الموسيقى ؟ هل ثمة أحد جربها قبل فتحي ليحكي لنا ؟ أتكون طعنة نافذة أم رخوة ؟ أتكون طعنة لذة أم طعنة ألم ؟ أم أن طعنات الموسيقى مرتبطة بانسحابها كهاجس ملائكي عن عالم الكتابة ؟ أم أن الموسيقى ليست موسيقى أصلا ومؤولة ... أم أن الشاعر هو الذي سيعطي الموسيقى الفرصة لطعنه بطمأنينته الكاملة لها ...هكذا تضعنا " موسيقى طعنتني من الخلف " على أسئلة مثارة تصلح أن توقفنا بدهشة كاملة لأن نخوض في شعرية مغايرة عن السائد .

سنحاول الآن وصف تجربة " موسيقى طعنتني من الخلف " ورصد بعض سماتها المهمة :

1 - النص كميكانو : كهاجس مطرد يدحر الأنساق الكلاسيكية المتعارف عليها " .. " يتوجه الديوان إلى تبديد ميراث النمذجة الشكلية بنمطيتها ومجانيتها ومجافاتها للخلق الشعري فتتكئ على دلالات بلا مرجعية يقينية بحيث يصبح سطح النص عاكسا لنثار ذوات متناثرة ومتنافرة ، يقدم النص كميكانو حر البناء طفولي الحالة قارنا الشعر باللعب مما يتاخم تجليا لقصيدة نثر لا نمطية ينعتق فيها الشكل عن إرادة عليا لذات عالمة ومشيئة مهيمنة على دلالاتها فلا وصاية سوى للحظة الشعرية ذاتها ويعتبر نص " كلاكيت ص 45 : أبرز دال على توجه موسيقى فتحي أبو النصر إلى الميكانوية

سيموت كثيرا

سيموت متعثرا ليس حائرا

سيموت في زواياه

سيموت بترف كالهواجس

سيموت عمودياوأفقيا

سيموت بالقرب من ضحكة عينيه المنتصبتين

سيموت كجملة مختصرة . يموت قبل مطلع النهار وبعد مغيب

الشمس بقليل .سيموت قادما . سيموت ناعما وبقسوة وهو

ينحر الأعنية بينما ينتحر فيه المغني . سيموت كممر . سيموت ...

وهكذا تتوالى الدلالات كطعنات متتالية في جسد هذا الغائب الأبدي الذي سيحتمل الميتات كلها وينسحق من كل زاوية ... أي موت إذا يعنيه النص أهو موت لذات منشقة عن إرث الجماعة أم موت لذات مبتسرة تختصر الذوات الأخرى المبتسرة في ذاتها فتتم تشوهها ويكتمل اكتمالها المضاد غير المكتمل نفسه عبر فداحة الاكتشاف حيث تخنقها المعرفة بنفسها .

سيموت من أجل كل الذي لم يعرفه

سيموت في الأسرار المقشرة

سيموت كدودة قز أحيانا وأحيانا كما سيجارة أو مخلب .

فالمصائر واحدة فالدودة التي تهدينا الحرير سوف يفترسها النسيان والسيجارة تحضر كعلاقة براجماتية محضة كما أن المخلب سوف يهرم وينكسر في سياق سيرورة ذات الصائد عبر تحولها من صائد إلى فريسة لزمن يلهث بوعي بهدوء خلف الذات وهكذا تتوحد المصائر وتتكفن بعدمه النهايات .

هنا يمكننا إعادة بناء نصوص عديدة بسحب هذه البنى إلى أسفل أو إلى أعلى فتظل رغم ذلك فكرة الموت وانسحابها كذات مهيمنة مسيطرة على دلالات النص كاملة مهما تعددت أنماط توالي العبارات فيه ، مما يلغي فكرة مركزية النص الشعري بل وينسفها من جذورها في عدد غير قليل من " موسيقى طعنتني من الخلف "

ومثل كلاكيت تتجلى هذه الشعرية الميكانوية في نص " أن " ص 86 الذي يشير إلى اللاتحقق الأبدي :

أن تشتري أحلامك بدون رصيد

أن تشتري وردا ولا تجد من تهديه

أن تربي الأمل تحت جفنيك فلا يكبر

أن تتشكل في هموم السحابة

أن يمتلئ دمك بغبار القصيدة بدلا عن فاكهتها

أن يكوت الصمت ثرثرتك عندما تشتد كقوس

....

أن تمر بقرب جنارة فيغلبك الظن أنها لك

أن

العشرات من " أن " يكني بها عن الذات المشوهة حد تلاشي سماتها الرئيسية منذ النشأة وحتى الانمحاء التام :

أن تسكر و ظلك

أن يكون المستقبل للكوابيس المشعة

أن لا يرتاح ربان روحك ولو قليلا بينما محطيات السهر لا تنحسر

أن يموت عصفور في حديقة شرودك

أن

2 – الشذرات المكتملة :

تزخر " موسيقى طعنتني من الخلف " باطراد دائم نحو اختزال النص الشعري حد التقشف وتكثيفه وتقطير اللحظات الشعرية متكئة على نص إبجرامي شديد الرهافة والجدة ، وتأتي تلك النصوص في توال مطرد مما يجعل الديوان يتسارع إيقاعيا و تتموقع هذه الشذرات بينية في المسافات التي تلي النصوص الطويلة التي تعتمد الثرثرة تقنية لها ،تكشف هذه الشذرات استنارة أخرى في نص فتحي أبو النصر حيث يقلب تربة المفهوم الشعري بأمزجة عديدة مقدما مغامرة شعرية من نوع خاص ، هنا يحتاج التلقي إلى إنصات رهيف للدلالات المتوارية والرؤى المشيدة في بإتقان في المسافة الكامنة بين الحبر والبياض ، ويمكننا إيراد شذرة أو شذرتين على سبيل المثال :

يتم ص 44 :

أيها الوقت رفقا بالنبتة المتعكزة

أيها الوقت لا تقصص دمي على نواياك

عندما ضيع الشاعر مساءه حن إلى نبتته

لعل هذا اليتم

قبيلته الوحيدة .

يعتبر " يتم " نصا طويلا نسبيا مقارنة بالشذرات الأخرى ، الذات الشاعرة هنا تتلمس أسباب الحياة لغيرها بعد أن ضيعت خلوتها بذاتها وطامنت التشاغل بغيرها وبينما مررها الوقت في خدائعه حين وشى بسرها الداخلي نابذا إياه بنواياه من حيث الانقطاع والتلاشي غير منصت للشاعر وإرادته المهدرة حيث لا يبقى للشاعر حياة سوى رعي النبتة الوحيدة التي تتعكز في محاولة لاستمراريتها ، تنكشف هنا حقيقة تجذر الوحدة وعدم القدرة على مغادرتها فهي تمثل قبيلة بدائية ينتمي إليها الشاعر راجيا منها انتسابه لها " لعل هذا اليتم قبيلته الوحيدة " ص 44 .

شذرة غير مستقلة في نص " موسيقى طعنتني من الخلف " رقم 38

أرتطم بي فيتهشم الآخر

الارتطام هنا ليس ارتطاما ماديا بل ارتطام في خدش الذات بأسئلة تكاشف فيها هواجسها و لا تعطي صك الاعتراف للإجابات حيث تقع في شرك الإجابات المخاتلة ، ومع انكشاف الحقائق وتعريها تنهدم الذوات جميعا فالآخر يتهشم بفعل داخلي في الذات الشاعرة .

أخيرا الذات الشاعرة في تجربة " " لا تسعى من بعيد أو قريب إلى مواءمة نفسها ومهادنتها ولو مؤقتا مما يجعلها غير متصلة فعليا بذاتها حيث تعبر النصوص وتزداد الشقة بين الشاعر ونفسه فلم يعد ثمة عودة لبراءة ما :

تلك المسافة المبهمة بيني وبيني

أتخاطفها أنا .. ثم أبكي بخبث

وأتكاسر على جثتي . ص 80



==================================================

نصوص " قبل الليل بشارع "

لإيهاب خليفة


قبل الليل بشارع

كتبت قصائد المجموعة في الطائف
من سبتمبر 2007م
وحتى مايو 2008م


الكلامُ
الذي تقولهُ الشفاهُ سام
والكلامُ
الذي يخبئهُ القلبُ سام


نوافذ

نوافذ معذبة بالحبِّ ، تقولُ :
اجلبوا ستائرَ بغرز واسعةٍ
ونقش لعصفور
ممسكٍ
بقشةٍ
من الريح
ودعوني أسكر .

تخيلوا العصفورَ يدين ِ
ولا تحضروا
قلامة للأظافر .

نوافذ تقولُ لها الجدرانُ :
" أنتِ شبهتي "

مقشات

مقشة في العين
لتكنسَ الأسى
مقشة في الأذن
لتكنسَ الازدراءَ
ومقشة فوق اللسان
لتشفط المرارة َ
ومقشة تكنسُ الماضيَ
وأزهارَهُ التي بلا سببٍ
تموتُ
ومقشة مع الغد
لأنه لا يأتي غدٌ
من دون أدرانِه .

ضرس الماضي

إنه مخوخ
ويسبب لي ألما مزمنا
عصبه مكشوف
والهواء الساكن فوقه يدمي
لا قرنفل يجدي
ولا مسكنات
طالما ضرس الحاضر
يئن في الجوار
حيث لا يمكن حشو الزمن المتآكل
بزمن سيتهشم
أريد جراحا عبقريا
يخلع ضرس الماضي
ولا يخشى على روحي
من النزيف
يخلعه بأي شكل
حتى لو ظلت بعض الذكريات
متجذرة
حتى لو كان من دون مخدر
حتى لو اقتضى الأمر
تفجير فمي .

الأيدي المدلاة


يزرعونَ على جانبيَّ ظلالا
ويستبدلونَ بالمصابيح البكماءِ
مصابيحَ مزركشة ً
ويضعون نيونا في الزوايا
بينما أنا أسألُ
لِمَ كلَّ صبح
يُقذف السبابُ من النوافذ
على ملابسي الحجرية
لِمَ أيدي المحبينَ مدلاة ٌ
إلى الجحيم
كرايةِ دولةٍ في حالةِ حداد .

لماذا يطاردنا صانع البلور؟


صانعُ البلور
يسهرُ أمامَ الصهدِ
ينفخُ
من روحهِ
ليصنعَ المصابيح .

أصمُّ وأبكمُ ، هو .
يداهُ مشوهتان ِ، هو .

صانعُ البلور
إن فرحَ لوَّنَ المصابيحَ
لتحيا
في عالم الورد .

صانعُ البلور
إذا استاءَ
جعلَ المصابيحَ بيضاءَ
مريضة
لتقضي
حياتها في الجنائز
وربما تأخذهُ المبالغة ُ
فيجعلها
صفراءَ
شاحبة
تحيا بنتا للغبار
وعاهة للشوارع .

في بيتنا رجال غرباء
إلى الشاعر/ حلمي سالم

زوجتي الحبيبة :
إذا وجدتِ رجالا غرباءَ
في غرفةِ نومنا
فلا تندهشي ،
تظاهري بالنوم ،
تظاهري بالشخير ،
تظاهري بالموات .
ثمة كلامٌ بيني وبين الرجال الغرباء
لا يصلحُ إلا في غرفِ النوم
لا يجوز إلا فجرًا
ثمة موعدٌ يختاره الرجالُ الغرباءُ بمشيئتهم
ثمة أسئلة في حمضِهم النوويِّ
لا يستطيعون كبحَ جماحَها
لأنها تدميهم
إذا لم تخرج .

الرجالُ الغرباءُ شبهُ مساكينَ
شبهُ بائسينَ
شبهُ ضائعين
لو كانوا يفتشونَ عن أدلةٍ
لما تعبوا
لكنهم يفتشونَ عن الخاطرةِ والفكرة
عن النيةِ والحلم
عن خبيئةِ القلب
عن الغمغمةِ في البال
عن ركلةِ الحصى في النهر
والأسماك ِالتي أهاجتها
عن الكلماتِ التي كتبت ومُحِيَتْ
عن الأوراق البيضاء
ماذا كانَ سيكتبُ فيها .

حبيبتي عساك تكونينَ نمْتِ فعلا
وعسى الرجالُ الغرباءُ
لا ينتبهون ليقظةِ العصافير
التي في قلبك .

ورقة


إن صنعوا مني مركبة
أو صاروخًا
أو حرَّقوا أطرافَ جسدي
أو شخبطوا فيما يظنونَ
أنهم يرسمونَ
ذلك أفضلُ
من أن ينصبوا فخاخًا
للمعاني بالكلماتِ
وهي ترعَى .

ادفنوني في زهرة

بإرادتي
ما خاصمتُ عطرا ،
ولا اخترتُ
أن يكونَ لعينيَّ
غطاءٌ ثقيلٌ
في كلِّ شارع أمرُّ
خلسة
كامرأةٍ حملتْ من سفاح
أصاحبُ كائناتٍ
لا تصارحني بقبحي
كائناتٍ تحيا
وتستمتع
لكنها لا تجازفُ
في محبةِ النور

جعلوني هكذا مملكة للأذى
وللروائح التي لا تطاق
ولكي يكفروا عن ذنبهم
عليهم أن يدفنوني
في زهرةٍ
أويكفنوني بشوكةٍ
على الطريق.

مرآة اللاشيء


من الآن فصاعدًا
لن أعكسَ وجوهًا
بل غير ذلك
ربما تحدقونَ
فترونَ بدلا منكم
وردًا
أو فراشاتٍ
أو ينابيعَ
ربما تجدون زواحفَ متلونة ً
أو صحراءَ بلا ظلال
أو حرائقَ
وقد تقفونَ
فترونَ ذراتٍ مشوشة ً
كما يحدثُ عندَ انقطاع البثِّ
لو كان فيما وراءَ وجوهِهم
معنى
لأبديت .

ظلالٌ تسيرُ بمفردِها وأشخاصٌ
لا ظلالَ لأحزانِهم

مع الظلِّ نفسِهِ
الذي تركتهُ
يمشي وحيدًا
ألتقي مجددًا
كلُّ الظلال عادتْ
إلى البيوتِ
والأرائك ِ
والأجسام التي طردتها
عادتْ - كقطط كانوا سربوها
في خرابةٍ
بينما هذا الظلِّ
لم يستطعْ أن يجتاز نافذة ً
لم يستطع أن ينسلَّ من ثقب باب
لم يستطع أن يتوحدَّ
بأحد ٍ
هو طريدُ الأضواءِ
كارهُ الشمس
مزدري النور
يرجوكم ألا تطؤوه صبحًا وعشيًا .

ليوم واحد فقط


اجعلوني ذبابة ً
ترعى
حيث لا يحدُّها حد
ذبابة عمياءَ
ليسَ إلا
يهشونها
أو يبيِّتون لاصطيادِها
إذا تمسَّحَتْ بأقدامِهم
ذبابة يصنعون لأجلها
شيشًا خاصًّا
ويحضرون ناموسيات
ذبابة من أجلِها يبنونَ مصانعَ إبادةٍ
و يسخِّرونَ فرَقَ رشٍّ عمومية
ذبابة عمياء
بلا أجنحةٍ
غارقةٍ
في صحْن .

دموعٌ يدُها ملوثة بدماء

صاحبي مات
بسببِ دمعةٍ
تحجَّرتْ بينَ جفنيهِ
ولم تخرجْ .

وأبي مات
بسببِ دمعةٍ
خرجتْ في مخاض سريع
وهو أمامنا
في صحن الدار .


أما أنا فسأموتُ حتمًا
بسب دمعةٍ ثالثةٍ
أفتشُ عنها
في صحارى روحِي
بلا جدوَى .

غير عابر


فأركَ البائسُ
الذي خلقته وتركته
فريسة في كلِّ حين
صار مكتئبًا
لأنَّ المسافة وحدَها تفصلـُهُ
عن النهايةِ
كما تقربه منها
لهاثٌ حياتهُ
اختباءٌ في جحور قذرةٍ
يسطو من الحرمان
وسريرُهُ ازدراءٌ أبدي
يرى المصائدَ
يرى الرفاقَ يموتونَ
ملتصقين بأماكنهم
يراهم ينزفون .

اليوم أعلنَ أنه لن يقرضَ شيئا
وأنه سيدعُ أسنانه تكبرُ
حتى يمسي فمُهُ غيرَ قابل للضمِّ
حتى يرحلَ تاركا
دهشة عابرة ً
لواضعي المصائد .

حذاءٌ يرثِي سيدتهُ التي غابتْ

الجمالُ ممددٌ على السجادةِ
ينتظره كفنٌ
أحمرُ الأظافر الذي جرحني
بلا زهوة ٍ
لا نزهة لي
لن تمرَّ بي فراشة على سلم
لن ينام جفنايَ
إذ لن يعيدني أحدٌ
إلى بيتي الأنيق
أنا الذي عَرَفَ
كيف تكونُ بطنُ القدم فتنة
وعرفَ لوعة الفراق
حين يأتي موعدُ النوم
فينزوي مقهورًا

كلُّ المحبينَ مضوا وبقيتُ
حافظتُ على نفسي
بينما رفاقي
اهترؤوا جميعا
وبُدِّلوا
عاشوا في بيوتٍ أخَرَ
بعاهاتٍ وإعاقات
منذ الآن فصاعدًا
سأحتضنُ الفراغ الذي في داخلي
وأبكي .

الذي نسِيَ أعضاءَهُ في الطريق

كمن نسِي جريدة ً
أو سلسلة مفاتيحَ
أو شنطة
وقف يفتشُ عن نصفِ ذاكرتِهِ
ونصف مشاعره
ونصف عينيه
كلما مرَّ من هنا
حدثَ ذلك
وإذا فكر في الاسترداد
خسر أكثر
أما اليومَ
سيستقلُّ نصفَ مقعدٍ في حافلةٍ نصف عمر
ويهرِّبُ نصفَ ما بقي
وغالبًا لن يعود .

الصَّدْع

على جانبَيْ يابسةٍ تتصدَّعُ
صارتْ قدماي تنفرجان
مع اتساع الشقِّ
علا نصفي الأيمن
ونصفي الأيسر
انخفض
ومن بين فخذي
وحتى رأسي صرت أتصدع .

كنتُ أصرخُ
خائفا على نظارتي
وأزرار قميصي
وصورةٍ منسوجةٍ في الشُّـرَّابِ
لفراشةٍ
بالكاد أخذتْ جناحيها
وطارتْ
قبل أن تهويَ فوقها صخرة ٌ
والصدعُ يقول لي كمُخَدَّر:
من شابَهَ أباه قد ظلم .

الماضي غير المكتمل

عندَ الغزو
كان على كلِّ امرئ
أن يفرَّ بأعز ما لديهِ
هناكَ مَنْ جعلَ حبيبته في قلبهِ
ومضى
هناك من عاهدَ زهرة متيبسة
كدليل على محبةٍ ما
وهرَّبَ دموعَهُ في منديل
ومضى
هناك من جرجر إماءَهَ
وخصيانهُ
وحراسَهُ
ودفاتر شيكاتِهِ
وبصق من ورائِهِ
ومضى ...


أما أنا فسأظلُّ ثاويًا
فوق التراب
لا لأطلقَ رصاصة ً
أو لأفجِّرَ نفسي في سوق
أو حافلةٍ
بل لأصيحَ في الغزاةِ
أيها السفلة
لم جئتم
متأخرين .

يفشلون

ينجحون
في كسر جناحَيْ طائر
برصاصةٍ
أو شرَك
يفشلون في جعل الطائر
يغيِّرُ نظرته عن الأرض
ينجحون في محبةِ السحابةِ
يفشلون في عزلها
عن الغبار
إذا تورطت في السقوط
ينجحون في تبييض أسنانهم
بالمعاجين
يفشلون في تسريبِ ذلك البياض
إلى قلوبهم .

أصبح لديه أسباب


بعدَ الحربِ
الدمُ ظلَّ على المودةِ
مع الغبار
بينما الحكمة تقادُ إلى المشفى
أصبح لديه أسبابٌ
للصمتِ الطويل
ولإعلان نفسهِ منطقة محظورة ً
كلما تذكر أنه مصنفٌ كإنسان
طأطأ رأسَهُ
حتى قدميهِ
من الخزي .

هجرة مبكرة للغاية

إلى أينَ هم هاربون
بحفاضاتِهم وعرائسِهم
بالكاد لهم سِنة أو سِنتان
بالكاد يمضغون القمحَ
المهروسَ في اللبن .

على ظهورهم لافتاتٌ
وأمامَ منافذ الهجرة
عرباتهم المشمَّسة ُ
تسدُّ الأفق .

لا هُويَّاتٌ معهم
ولا جوازاتُ سفر
وماذا يفعلُ ضباط الحدود
بقنابل الغاز
و خراطيم المياه .


أطفالُ الشرق
يلوحونَ للسفن المغادرة ِ
ويتذمرونَ
بضربِ الأرض بكعوبهم
كعوبهم الرقيقةِ
التي لا تزيدُ عن إصبع
إنسان كبير .

يتسربونَ خلسة ً
إلى البحر كالسلاحفِ
الخارجةِ من بيوضِها
باحثة عن حنان ما
مع أضواءِ ابتساماتِهم
حيثُ حياة ٌأخرى
لا شيخوخة فيها .

فقدنا الثقة


قالتها غزالة ٌ
وهي تفرُّ بعشبةٍ في فمها
دونَ أن تدري السبب
كان خلفها غبارٌ
وأمامها غبارٌ
والقطيعُ ليس ودودًا كعادتهِِِ
القطيعُ بعيدٌ بلا سبب
أمها بعيدة بلا سبب
لا وقتَ لديها لتسألَ
لا وقتَ لتراوغ َ
لا وقتَ لتتأسى .


كلُّ ما ستفعله الآنَ
هو تركُ صرخةٍ هائلةٍ
والتي لنْ تعطلَ شرهَ الصائد ِ
بل ستخدشُ بقوةٍ
أمانَ القطيع .

كراسة رسم


لا ترسموا راية خفاقة ً
ولا جنودًا يلوحونَ
بعلامةِ نصر ٍ
وخلفهم أسرى
جاثونَ على الهزيمةِ
بينما جنديٌّ فذ
يغرز سكينة ً
في قلب عدوه المرعوب
لا بطولة يصنعها لونٌ أعزلُ
في ورقةِ رسم
بلهاء .

شيزوفرينيا

يأتيهم في الوقتِ الذي
يكونونَ فيه بؤساءَ
فرحٌ .
بنفس المفتاح الذي يدخلهم
غرفة المأساة
دعابتهم تدخل .
يخافون من الضحكِ الزائدِ
ويتشاءمونَ
من طرفةِ العين
والقطط المتربصةِ بسلالمِهم .
وفي الجنائز
يخنقهم بكاءٌ حارٌّ
وأنينٌ جماعيٌّ
وتباغتهم ليلة العزاء
نميمة لاإرادية
على الميت .

المخلصُ دائمًا

إن جعلوني من زجاج شفاف
أو خشب
إن وضعوني أمام كاميرا
أو أخفوني بستارة
إن شمعوني
أو حبروا أصابع البُلهاء
بفسفور
فلا أحدَ قادرٌ
على معرفةِ
لصالح مَنْ أعملُ
أو كيف تتبدل الأسماء
أيتها الأوراقُ المثقلة ُ
برموز جمادات و حيوانات
هلمِّي إليَّ
فأمامنا ليلٌ طويلٌ
من العمل الشاق .

هَشٌّ

النهارُ هش
والظلام هش
الوقوفُ هش
والمضيُّ هش
قلبي في يدي هش
والدمعُ الذي أذابّ الخدَّ هش
الرملُ والظلُّ
الحبلُ السريُّ والعكاز
الفريسة والشرك
الصدمة والاعتياد
الورقُ والحنين
المنفى والحبر .

كوبري قصر النيل

الأسودُُ التي تحرسني
كلَّ ليلةٍ تقولُ :
لو كنا في حديقةٍ
لتشمَّسْنا في العبير
وأكلنا اللحم
الذي لم نشاركْ في صيده
اللحم الذي منهُ يهرِّبُ
العمالُ البؤساءُ لأبنائِهم
لو كنا في غابةٍ
لما استطاعوا اصطيادَنا
لأنَّ أظفارَنا التي تجرحُ
لن تداعبَ الغرباء


لكنْ
ها هو البرونز
الذي يطمسُ العيون
لا يلمعُ في الشمس
وها نحنُ
لا نستطيعُ محْوَ الغبار
عن رؤوسِنا .

مفقود

في كفِّ حبيبي
من رآني
من رأى زهرتي التي أخرجْتها
من قلبي
من رأى ظلي في الشارع يمرُّ
أو يكلمُ أحدًا
من شعر بي
وأنا أصعدُ السلالمَ
خاويًا
من أبصرني خلفَ نافذةٍ ذابلا
كلبلابةٍ لم يعد يسقيها أحد .
يفتشونَ عنهُ
ليردوه إليهِ
وهو جالسٌ أمامَهم كالحكمةِ
الباهتةِ التي
يكونُ الجنونُ أوجهَ منها .

نيو لوك


سأتخلصُ من يدي
لأنني لا أريدُ أنْ أسلمَ على آخرينَ
وطالما يدي معي
فسأشعرُ بالحرج
سأتخلصُ من عينيَّ
لأنني سأتجاهلُ آخرينَ
وطالما نظرتي كالطعنةِ النافذةِ
فسأشعرُ لا جدالَ بالحرج
سأتخلص من فمي
لأنه ضدُّ ما يقوله القلبُ
ومن القلبِ
لأن أبوابَهُ بلا مزاليجَ
والغرباءَ يسطونَ على كنوزهِ
وسأقعدُ بلا يدٍ
بلا عين ٍ
بلا فم ٍ
بلا قلبٍ
أنظرُ في داخلي
الذي باتَ فاتنا .

عصيانٌ مدني


كنتُ نيلا
أحملُ طمْيًا
وأغازلُ العشبَ
حتى يلين
كنتُ نيلا
لا توأمَ لي في الحياةِ
سوايَ
أغيظُ الصحارى
لم تمنعني ظروفٌ
من إغاثةِ زهرةٍ
عندَ فم البحر
كنتُ نيلا
لم تخوِّضْ في مائي خطيئة ٌ
ولم يَطفُ على وجهي
اتهام .

كنتُ نيلا
والآنَ أنا نهرٌ فقط
جرِّدَ من كلِّ نياشينِهِ
بسبب عصيان مدني من سنبلة .

لاشيءَ يمنعُ انهيارَنا


إنها الفرشاةُ الطويلة ُ
ذاتُ اليدِ الطويلةِ
كلَّ ليلةٍ أرفعُها
وأدهنُ السماءَ
من الأرض وحتى هناكَ
يبدو اللونُ صغيرًا كنبقةٍ
بالفرشاة أكتبُ أسماءَ من أحبهم
بالفرشاة أرمِّزُ للقلبِ
طوالَ الليل كرسام
ذاهبًا وآيبًا
ألونُ سحنة الليل
المنصتة كخفاش ٍ
الهائلة كالوداع
حتى إذا كدْتُ أنتهي
إذا بالطلاءِ كلهِ
كعشٍّ من النمل
ينهارُ فوقَ رأسِيَ الضئيل .

عمل يومي


كالغسيل
أنشرُ أعضائي
قلبي المتهرئَ كسروال فقير ،
رئتي الصادمتين كملابس حداد ،
روحي التي تكادُ تظهر .
أضعُ المشابكَ وأدخلُ .
لا لسْتُ قلقا من الهواءِ إذا اشتدَّ ،
لا ولا من العواصف ،
لا ولا اللصوص .
كلمَّا مَرُّوا
رأوني منشورًا على الحبال ،
وثمة أسئلة ٌ
تنهمرُ من عينيَّ المنشورتين ِ
على رؤوسهم ،
فيتطلعون كالوخزةِ
وهم يسبونَ
بالتأكيد
لم تعجبهم رائحة المسحوق
الذي أستعمله .

الخبز

الحلوةُ لم تعدْ تعجنُ خبزًا
في الفجر
لأنَّ ديكها مرهقٌ
بسببِ سعالِهِ المتكرر
لأنَّ الناسَ ضجرونَ من الحرِّ
ويسألونَ عن الخبز
لأن الصناعَ في المحلةِ
سألوا عن الرصاص الحيِّ
واستفسروا هل البكاءُ
في وجودِ قنابل الدخان مُخْز ٍ
أم مبرر ؟!
لأنَّ الحكومة تجاهلت
ياسمينة القلب
وشمعت حانة الانتماء .


الحلوة تستفسر
- وهي تدفن ديكها الوحيد
في مقبرة هائلة للديوك
لم الحياة ساكتة
لم المسئولون ثرثارون
و
لم الله شديد التأني .

لغة الداخل

تسلحْ
ضدَّ النهار
بالعين التي ترى بذاتِها .

تسلحْ
ضدَّ الشفاهَ
بلمس القلبِ نفسِهِِِ
لأنَّ لغة الداخل أبدًا
لا يخفتُ صداها .

تسلحْ ضدَّ المناديل
بالوقوفِ
على الجانبِ الآخر ِ
لحفرةٍ هائلةٍ
لا يمكنُ لخطى البكاء ِ
اجتيازُها .

في الشمال الغربيِّ
لقلبي البائس

ثمة زهرة ٌلا تكلمُها فراشاتٌ ،
لا يجلها نحلٌ .
شوكها ليسَ يؤذي ،
بياضٌ بائسٌ يحاصرُها ،
نهارٌ بائسٌ ،
هواءٌ بائسٌ .
لنْ تهدَى لأحدٍ .
لنْ تشاركَ في صنع عطر ٍ.
الشرفة التي فيها تلعنها .
تكادُ تقولُ للعجوز التي تسقيها
بينَ حينَ وآخرَ :
مددي إلى جواري شيخوختك
لكي نموتَ معا .

العدَائِيُّ


الضحكُ موجودٌ
لكنَّ الضحكَ
الذي يصدرهُ القلبُ مختطف .
الدمعُ متوفرٌ
بينما البكاءُ الصادقُ
لا يملكهُ أحد .
الأرضُ كذلك أضحتْ تحتاجُ
لتدخلاتٍ خارجيةٍ
لتنبتَ .

ببلاهةٍ
النباتُ ينمو
ولا يصدقُ أنهُ سيقعُ فريسة ً
لليرقاتِ
التي تنمو في نسيجه .
ماذا ستفعلينَ إذنْ
لكي تعودي كما كنتِ
من دون شوكٍ
أو نتوءاتٍ
يا أيتها الروحُ العدائية .

مأساةُ الأحذية


منذ أن كنتُ
جزءًا من الغابةِ
مصادقة ًلحيواناتٍ
لا تزيِّفُ مشاعرَها ،
وأنا أخشى على نفسي
كلما رأيتُ شجرة ً
يجرها أفيالٌ بائسة ٌ
إلى مصير مجهول ،
كلما رأيتُ الريبة
في عيون التماسيح
التي تغادرُ
خلسة خلسة ً
إلى مصير مجهول .


لأجساد الحيواناتِ كنتُ ،
الحيوانات
التي لم تزيفْ مشاعرَها قط .
والآن انتقلتُ
إلى فتارينَ ذاتِ بهجةٍ
يقالُ دائمًا أنني سأودعُها قريبًا
لأرافقَ كائناتٍ أخَرَ
لا أثق أبدًا
في أنها لا تزيفُ مشاعرَها .

انحناءة ُالدومينو

الدومينو الذي لديَّ غريبٌ
دومينو
لا يوفرونه في المقاهي ،
لأنَّ صوره فاضحة ٌ
حيثُ زعماءٌ وثوارٌ
يقفونَ في عريٍّ مخجل
بل وبلاد بأكملها
تقفُ عارية ً

لستُ ألعبُ بالدومينو مَعَ أحد ٍ،
بل أرصُّهُ في ساحةٍ بائسةٍ
كلَّ واحدةٍ خلفَ أختها
ثوارًا عراة ً ،
خلفَ زعماءٍ عراةٍ ،
خلفَ بلاد عارية .
كلَّ ليلةٍ هكذا أملأ الساحةِ بهم ،
ثم أدفعُ واحدة
بشهيقي الأسودِ
وانتحبُ كزوج عَايَنَ غريبًا
نائمًا في سريره
أو كصبيٍّ
محروم من الحلوى
بينما يتوالى السقوط .

أقول له : احمِني ؛ فيدهش

لا تتركني معي
لأنه حينَ تغلقُ غرفتي البائسة
أجدُ العدائيَّّ
يظهرُ فجأة ،
العدائيَّ الذي يستعملُ المبضعَ
في قلبي
وأنا يقظ ٌ،
العدائيَّ الذي يلقي ماءَ النار
في وجهِ الدنيا ،
هو نفسُهُ العدائيُّ
الذي لا يملكُ الشفقة
والبكاء ،

هو نفسُُ الذي يتجبَّرُ
على مخلوق ضعيفٍ مثلي
لا يطيقُ أن يرى عصفورًا
في شرَك ،


كلَّ ليلةٍ يورِّمُ أسئلتي
ثم ينسلُّ داخلا إليَّ ،
من نفس الخلية التي
كان
تسلل منها .

خروج نهائي


أستسلمُ لسحابةٍ
سوفَ تمسي ذاتَ مرةٍ
جزءًا من دموعي .

أستسلمُ لصبارةٍ
ما اصطحبوها لشرفةٍ
ولا سقوها
بيدين حانيتين
لكنها ستشهدُ انهدامي
بعدما يتركونَ الدموعَ ،
والظلال .


أستسلمُ
للوداع المحض
وللسكون المحض
وللتلاشي المحض .

أستسلم
- بوضع يدين مشبوكتين
خلفَ ماضي َّ،
ليد الهواء
وهيَ تقتلعُ من جدار وجهي
النافذة .

لا يتلاءم


لا يتلاءمُ مع الحنان
لأنهُ يجرحُ
كلما وُجدَتْ في اليد ِ
صدفة الوداع
لا يتلاءم مع الزهر
لأن الذينَ علموا موضعَ الشوكِ
بددوا العبير
لا يتلاءم مع الحنين
لأن كلَّ قارب ٍ
لا يعتني بالمجاديف ِ
يغرق .

كلُّ يد خائنة
والصدفُ ليسَ يصمتُ .
كلُّ جنةٍ إلى زوال .

معطل

أنا أو الكونُ
إما عيناي
وإما الشمسُ والتراب
إما اليدُ المولعة
بإغلاق الأبواب والنوافذ والهواتف
وإما الشجرة التي أوقفتْ عقاربَ الساعةِ
على الخريف
إما الشفتان المزمومتان
وإما القمرُ الذي لم نعد نراه
معطل عن الفعل
عن الصمت
عن الكلام
أنا أو الكون
أنا و الكون .

الحنانُ المبتور


ألجأ للشوكِ
لأنهُ من البدايةِ صادقٌ
ألجأ للصبار لأنهُ يحترمُ الشفقة
ألجأ للمعصيةِ
لأن الطاعة بغيضة
ألجأ للأرصفةِ
لأنها أحنُّ من البيوتِ
التي تحيا فيها ظلالٌ بالاسم
ألجأ للمتاهاتِ
لأن كلَّ خط مستقيم ٍ
ليسَ سوى انحناءة ٍ
لا تـُرَى
ألجأ للوداع
لأن السذجَ وحدَهم
يقبلونَ بالحنان المبتور.

معركة مع الغصن

أمي البدينة تركتني
مرت من شجرة لأختها
كالهواء تماما
أرضعتني بقدر
ثم علقتني على الغصن
وراحت .

من لي بثديها
ويديها وهما تنفيان عن جسدي
كائنات غريبة
لي فرصة واحدة فقط
فالغابة لا تمنح فرصتين لأحد
والغصن لا يمد يده لخائف
الغصن يقول :
" ثمة لحظة حاسمة "
ولا يكمل .


كلهم عالقون
بأغصان خفيفة
من حولي
عداها
يحثونني على القفزة الأولى
بينما إذا هويت
سوف يتركون دمي ذكرى
على الظل
وها أنا مضطر لمواجهة المصير .

غسالة العالم

أبحث عن غسالة
غسالة تغسل ملابس
كل الآدميين معا
في ليلة واحدة
سأبرمجها على غسل ملابس الجنود
وسترات القتلى
سأجعلها تغسل ملابس الرؤساء
وأسمال العابرين
وفي فـَم واحدٍ تغسل ملابس الملاحدة
وأصحاب الشرائع
طاردة كل البقع
وكل الوساخات .


سأحتاج حبال غسيل عملاقة
ومساحيق كالجبال
ربما أضع كل الأنهار فيها
ربما أستعين بالبحار والمحيطات
وأنتظرها وهي تزمجر
زمجرتها الخرافية
في لحظة البدء

لحظة التفاف أكمام ملابس الجماهير
حول ياقات قمصان الرؤساء
لحظةحصار ملابس القتلى
لمعاطف الجنرالات
لحظة مفاداة بدل الراقصات
للجلابيب الوقورة للشيوخ
وأردد ضاحكا كمجنون
بينما يأتيني العويل:
أيتها الأنسجة التي كانت زرعا واحدا
أرأيت كيف يكون انتقامي؟!

اللافعل

الساعة عالقة بدمعي
كلما تحركت
هزمتني المناديل
ريشي مقصوص بيد الزمن
وعلى وجهي مائدة
العين أمامها شوكة
اللسان خلفه سكين
الأوراق بعيدة
الحبر بعيد
الصمت ليس منزوع الدسم .
منذ شهر
منذ سنة
منذ بكاء طويل
أريد خريفا يهز أوراقي بعنف
أريد عاصفة تسحب الذكرى
على وجهها
أريد هاوية بليغة
لم يعد لدي على الأرض فعل
لم يعد لدي
فعل .

عن السماء التي فينا

النجوم التي ماتت في السماء
تخبرني أن أحدا
لم يلتفت لغيابها
تخبرني أنها ماتت
لأنه على الأرض لا أحد يسهر
تخبرني أنها تركت
ثقبا أسود مكانها
يسحق أي دخيل
تخبرني أنه من دون تأمل
عينين حبيبتين
أو شفتين تقولان
حين تصمتان
كلاما أحلى
يصبح داخل كل منا ثقب
يسحقنا نحن قبل أن يسحق
أي دخيل .

جيوكندا الشرق

لا إعاقة في ساقيها
ومع ذلك تحيا مرتبطة
بكرسي متحرك
لا إعاقة في يديها
ومع ذلك لا تمسك الأفراح جيدا
يسقط من يديها زمن
وأزهار
ورسائل حب .
لا قذى في عينيها
ومع ذلك ترمش كثيرا
وتنخدع في ماهية ما ترى
تشم وتتذوق بإتقان
تعرف الخونة والكذبة
لكنها تلفظ الحقيقة من فمها
بسبب مرارتها
تقول : أنا جيوكندا الشرق
أم الأساطير
جامعة النقائض
كل من يراني عقله يذهب
كل من يعيش فيَّ يجن .

سر الأنامل

أحيا بلا ألم
بلا شقاء
في العالم الذي يحترق
عن الينابيع التي ترحل
لأنك معي
لأن أناملك ترعى قلبي الغريب .


بلا غصن
بلا حديقة
كيف تنبت زهرة
بل كيف تنبت زهرة
فتنبت هي الغصن
والشجرة
والحديقة
كل من يسمع يقول
" لا يمكن
لا صدف يوجد بحرا "
والذين رأوا أناملها في قلبي
وهي تكنس الجدب بإشارة
قالوا: صدق .

بسبب عطرك
كم حديقةٍ فقدت صوابها
وكم جرحت الأيادي سكاكينُ
- وهي لا تدري -
بسبب عطرك
كم أخطأت الفراشات وجهتها
والنحل
بين رحيقين
كم ظل حائرا
حتى التبس عليه الأثر .


وبسبب ابتساماتك
كم سقط غيم
في غير موضعه
كم ارتحلت أنهار كالمجاذيب
لأجلك
لأجل ابتساماتك
ابتساماتك تلك .

ومنذ أن عرفتك
لم تزرني أرصفة
لم تخبطني قيلولة بالرأس
كل زهرة ذبلت
عادت معك
أمام ذهول الحديقة .
ماذا تخبئين في قلبه
كل مرة
أي عالم تحجبين
أي عالم تبدين
كل مرة
بأناملك تلك .


ديوان طائر مصاب بإنفلونزا

إيهاب خليفة

1998-2006

أصــعــد الـــــدرج


مُنذ كـَمْ
وأنا أصعَدُ الدَّرَجْ.
أحصِي سلالِمَ،
وأصْعَدُ الدَّرَجْ.
أسنِدُ على كلِّ سُلـَّمَةٍ رئتيَّ،
أمسحُ بخِرقةٍ باليةٍ روحِي.
أجراسٌ،
و كوالينُ في بَيَاتِهَا الشتويِّ،
و أنا
أصعَدُ
الدَّرَجْ.
أصوَاتٌ تربِّتُ على خيالاتٍ،
ألتفِتُ ولا أحدَ،
وأنا أصعدُ
الدَّرَجْ .

رأيْتُ اغتيالاتٍ لشموس ٍ،
وأقواسَ قزحَ ،
تسقـُط ُ كقطرةِ عرق ٍ،
على جبين فراشةٍ ميِّتةٍ،
و أنا
أصعدُ
الدَّرَجْ .

عَرَفـْتُ اسْمِي
وأنا أصعدُ الدَّرَجْ .
نَسِيتُ اسْمِي
وأنا أصعدُ الدَّرَجْ .

مزقـْتُ حَدَائِقَ عُمْري
حين رأيتُ رُوحًا لي
لا تكلمني
فِي مَسَاءِ الدََّرََجْ .
قفزْتُ وغنيتُ عاطفية ً
حينَ تجلـَّتْ لي شفتان ِ
في غرَام ِالدَّرَجْ .

عند سلمة ٍ غادرْتُ سِيَاطَ أمٍّ،
في سلمةٍ أخرى
دفنتُ دُعاباتِ أب ٍ،
وظللتُ أولولُ في خِضمِّ الدَّرَجْ.

عَشرُ سَلالِمَ
بِعَشرةِ رفاق ٍ
و أنا
أشهَقُ
الدَّرَجْ.



كمَنْ نامَ على يدِهِ وخزٌ.
كمَنْ في فمِهِ مصَّاصة ٌ أبدِيَّة ٌ مِنَ الألم ِ.
كمَنْ يتلقـَّى نيزكـًا في وجهِهِ.
كمَنْ يدُهُ مَرْبُوطة ٌفِي هاويةٍ.
كمَنْ يَخِيطونَ قلبَهُ على ضحِكٍ ليسَ مُمْـكِنـًا.
كمَنْ تذكرَ مِظلَّـتـَهُ المَنسِيَّة َ بَعْدَ أنْ قفز.
كمَنْ صَارَحَتـْهُ صَاعِقة ٌ بمَوَدَّتِهَا.
كمَنْ أطلقوا عَلى سَهْوِهِ رَصَاصَة ً.
كمَنْ يَعْترفُ لهُ بُرْكانٌ بِقسْوَتِهِ.
كمَنْ يَنشُرُونَ صَمْتـَهُ أمَامَ عَيْـنيْهِ.
كمَنْ أجْبَرَتهُ بَعُوضة ٌ عَلى حَرْق ِ جلدِهِ.
كمَنْ يُريدُ سَحْبَ هُويَّتهِ مِنْ تحْتِ فِيل ٍمُتسَلِّطٍ.
كمَنْ يزحَفُ عَلى بَطنِهِ مِنْ أوَّل ِالمَجَرَّةِ إلى
آخرها.
كمَنْ دَاسَ عَلى لغم ٍ وَأدْرَكْ.










طولَ العُمْرِ نحَذرُ
مِنْ نِدَاءَاتٍ تتسَرَّبُ مِنْ تحْتِ جلدِنـَا،
مِنْ أنْ نكونَ مَشاجبَ لِصِبْيةِ الزوَايَا،
مِنَ المُرُورِ عَلى المَقابرِ ليلا،
حَتى لا نرَى بَشرًا بِأرجُلِ دَوَابٍّ،
مِنْ عُبُورِ رَدْهَةٍ
دُونَ التفاتيْن ِ.

مِنْ حِبال ِ الغسِيل ِ المُعَلَّقِ
عَلى شرفةِ مَجَرَّةٍ ضائِعَةٍ،
ذلكَ الغسِيلُ الذِي كلُّ قِطعِهِ طارَتْ إلى كوكبٍ:
ذهَبَتْ مَلابسُ فرُوسِيِّةِ جَدِّي إلى بُلوتو،
حَيْثُ سَتعِيشُ فترَة َ تجَمُّدٍ طويل ٍ،
بَيْـنمَا قمْصَانُ نوم ِجَدَّتِي ـ والتِي مَا رَآهَا
حَتى جَدِّي انضمَّتْ إلى حَلقاتِ زحَلَ،
فِي دِرَاسَةٍ لِتأمُّل ِ اصْطِدَام ٍ هَائِل ٍ،
أمَّا مَنادِيلِي فقدْ عَلِقَتْ بِأسْطح ٍعَاكِسَةٍ
لِقمَرٍ اصْطِنـَاعِيٍّ،
فتسَرَّبَ خبَرٌ أنَّ حَرْبَ كوَاكِبَ جدِيدَة ً سَتبْدَأ،
وَقدْ طارَ إلى الكوكبِ الأزرق ِِ سِروَالِي المُبَقعُ
حَيْث تلقفهُ طريدٌ عَلى جَبَل ِ بَاردٍ،
وَصَنعَ مِنهُ وَسَادَة ً
قبلَ طعنِهِ بِلحَظاتٍ،
ثمَّ صَارَ صَاحِب ُالسِّرْوَال ِ مطلوبًا،
مِنْ حِبَالِ الغسيل ِ المُعَلَّق ِ ـ وأنا أصعدُ الدَّرَجَ ـ أناشِدُكمْ
ردُّوا عليَّ سِرْوَالي.












أصعدُ بي
أمْ أصعدُ بلا شيءٍ
أمْ أنَّ درجًا يصعدُ بي
أمْ أنَّ لا شيءَ يصعدُ بلا شيءٍ
أمْ أنني لا أصعدُ
أمْ أنهُ لا درجْ.




وقالَ لِيَ الدَّرَجُ:
"
لِمَ دَخلتَ أصْلا "
قالَ لِي:
"
الخارجُ والدَّاخِلُ سَوَاءٌ "
قالَ لِي:
"
مَعْنى أنْ تضغط َ الجَرَسَ أنكَ غريبٌ "
قالَ لِي:
"
لا تظنِّ السَّطحَ خاتِمَة ً "
قالَ لِي:
"
عِندَ كلِّ طابق ٍ مَهْزلـة ٌ "
قالَ لِي:
"
مَنْ ليْسَ مَعَهُ مِفتاحٌ أبْلهُ "
قالَ لِي:
"
فقدَ ذاتـَهُ مَنْ بدَّ لَ مَفاتِيحَهُ "






قالَ لِي:
"
أخرَقُ مَنْ ظنَّ أنَّ لدَيْهِ مِفتاحًا"
قالَ لِي:
"
ليْسَ كلُّ بَابٍ تدْخلُهُ "
قالَ لِي:
"
كلُّ مِفتاح ٍ سُلطة ٌ "
قالَ لِي:
"
كلُّ المفاتيح ِ تتبدَّ لُ "
قالَ لِي:
"
لسْتَ آمِنـًا يَا مَنْ وقفتَ عَلى الدَّرَج
قالَ لِي:
"
لا تتردَّدْ في اقتِحَام ِ أيِّ بَابٍ "


قلْ للذينَ صَعَدُوا:
تحْتَ أيِّ شجَرٍ سَوْفَ تنبتونَ
فِي أيِّ قمَرٍ سَوْفَ تختبئونَ
عِندَ أيِّ نهرٍ سَتخرُجُونَ مِنَ الوَرْدِ
وَ تتناكفونَ.
قلْ لهُمْ: سَلالِمُ نِهَائيَّة ٌ أمْ لا نِهَائيَّة ٌ
والدَّرَجُ كالجَحِيم.
قلْ لهُمْ : مَاذا سَنفعَلُ لوْ وَجَدنا حُبـًّا حَقِيقِيـًّا
سَيَستمِرُّ مَعَنا فقطْ مَسَافة َ دَرَج ٍ
نحِبُّ أمْ لا نحِبُّ
لوْ رَأيْنا زهْرَة ً مُشتهَاة ً تِلكَ التِي لِلخيَال
و للروح ِ
تِلكَ التِي لِلجَسَدِ وَالمُسَامَرَةِ
لوْ رَأيْناهَا ترُوحُ إلى زمَن ٍ مُتـَحَنـِّط ٍ
نتحمَّمُ بالعِطرِ حِينئِذٍ
أمْ نهِيلُ البُكاءَ عَلى الرَّيَاحِين ِ

قلْ لهُمْ :
لا تجيئونا في المَنامَاتِ،
في غُلالاتِ نورٍ،
تهْمِسُونَ بأحْلامِنـَا،
وتنادُوننا كي نجَالِسَكمْ فِي سَحَابَةٍ،
تـأخذوننا،
فنخطو عَلى مَاءٍ،
ونرقى دُونمَا جَناحَيْن ِ فِي هَوَاءٍ،
ثمَّ نعَانِقكمْ،
فلا تكونونَ إلا أثرًا مُضمَرًا فِي بَنـَان ٍ.
قلْ لهُمْ :
قابلونا
فِي الأمَاكِن ِ نفسِهَا.
بالأزاهِيرِ نفسِهَا.
في المَوَاقِيتِ نفسِهَا.
بالسَّعَادَةِ نفسِهَا.
فنحْنُ نرقبُكمْ مِـنْ بَعِيدٍ


لِتـَمْسِكونا،
و تطيِّرُونا حَتى سُقوفِ البنايَاتِ،
و تدوِّرُونا حَولَ أجْسَامِكمْ حَتى ترجُفَ السَّمَاوَاتُ، ولِيعنـِّفُونا
إذا ما تأخَّرنا فِي اللعِبِ حَتى العِشاءْ،
وليضربُونا ـ حِينَ نترُكُ الشمْسَ فِي فـُرُشِنـَا
والبُكاءْ.
ولِيحْبِسُونا فِي غُرَفٍ خالِيَاتٍ.
النـُّجُــــومُ
انكـَــدَرَتْ
وَأنـَـــــــا
أصْــــعَـدُ
الـــــدَّرَج َ.
والسَّمَـــاءُ
كشـِـــطـتْ
ومـَـا كـُشِـط َ الــــــدَّرَجْ.

لم يكونُ غـدٌ بـِلا ساقـيْنْ
لِمَ كانَ ماض ٍ بـِلا ذراعيْنْ
ولِمَ الآنَ حاضرٌ مِنْ دون ِ عينيْنْ
والزمنُ الذي هو كمُهْرٍ بـِجناحيْنْ
ويقطعُ المجرة َ في خفقتيـْنْ
أيْــنْ.

أوقفوا إذنْ البُكاءَ حِينَ يَسِيلُ مِنَ القلب ِ,
أوقفوا الحِكمَة َالطافِحَة َ,
كبـِركةٍ تحتَ لِحَى الكِبَار,
تعَامَلوا مَعَ الأقنِعَةِ بـِوصْفِهَا وُجُوهـًا
كمَا تعَامَلتـُمْ مَعَ الوُجُوهِ بـِوصْفِهَا أقنِعَة ً,
اجْعَلوا المـُدْيَة َالتِي تجْرَحُ تـُدَاوي,
لا تسْمَحُوا للوَدَاع بأنْ يُفجِّرَ نفسَهُ فِي مَيَادِين ِالسَّهْو
صَادِرُوا الليلَ المُجَفـَّفَ فِي مَطابخ ِ الذاكِرَةِ بصَلاحِيَّةٍ تالِفةٍ,
أجْرُوا عَمَليَّة َ تجْمِيل ٍ للمَجَرَّةِ نفسِهَا
حَتى تبْدُوَ أكثرَ إغرَاءً
وَأقلَّ سَوَادًا



سَأفتحُ الأبْوَابَ يَا دَرَجُ.
سَأركلُ بَابَ الفصُولِ،
وَ أفسَخُهُ،
يَا دَرَجُ.



إنِّي أريدُ أنْ أفتضَّ غابتيْنْ
وأرتجلُ زهرتيْنْ
ثم أستحمُّ منَ الشمس ِ بجرحيْنْ
وأغنِّي وداعيْنْ
ثمَّ أبعثِرُ كالفقاقيع ِ ليلا كشجرتيْنْ
سأنفضُ صفرةَ أوراقـِهِ الأبدية َ
لِيسقط ََ في الوحْل ِ
مرتيْنْ.







بَابَ الأبَدِيَّة ِ،
فاتِحًا صَدْري عَلى المَجَرَّة ِ،
كَحَارس ٍ شخصِيٍّ.
سَأصْطادُهَا،
وَأودِعُ سِرَّهَا فِنجَانَ لذةٍ،
وَأهَيِّئُ مُتـَّكئِي،
ثمَّ أرتشفُهَا كامِلة ً,
ثمَّ أطرُدُهَا كاسِرًا حَقـْوَهـَا،
وَسَأقعَى عِندَ قدَمَيَّ صَنِم ِ الزوَال ِ
راجيـًا
أنْ يطهـِرَنِي يا دَرَجْ.
وَسَوْفَ أسُـبُّـكَ يا دَرَج ُ
أمْسِكُ بـِخِنـَاقـِكَ،
وأسْحَبـُكَ عَلي وَجْهِ أمِّـكَ يا دَرَج ُ،
هَا هِي سَلا لِمُك َالعَدَمِيَّة ُ,
ودَرَابْزيناتكَ الزئبَقِيـَّة ُ
رَهَائِنُ،
فِانهَضْ يَا بْنَ الأبِ المَجْهُول ِ،
وتشاجَرْ مَعِي
أنا الثوْرُ الهَائِجُ المَطعُونُ بالنظرةِ،
وشهقاتِ الجَمَاهِيرِ مَعَ كلِّ سَهْم ٍٍ،
أودِعْ سَهْمَكَ المُتمِّمَ فِي قلبِي،
وأرحني لِترتاحَ يا دَرَجْ.
وسأغني:
"
أنا مقيدٌ ويدايَ سائبتانْ,
أنا محتجَزٌ في سجون ٍ غريبةٍ,
أنا لسْتُ في داخلِهَا,
هي ليسَتْ في داخلي,
لكننا
ـ أنا وسجوني ـ شيئان ِ مبهمانْ"
الدَّرَجُ يَصْعَدُ ولا يُصْعَدُ,
الدَّرَجُ يعرفُ كيفَ يُدْ نِي حبيبيْن ِ فيتطامنان ِ,
و كيفَ يَنهَضُ فجْأة ًكالسَّدِيم ِ فيتلاعنان ِ,
الدَّرَجُ يعرفُ أنَّ الوُجُوهَ بعيونِهَا العَمِيقةِ الغامِضةِ
لمْ تكنْ سِوَى دََرَج ٍ,
أنَّ الأنامِلَ بـِوَدَاعَاتِهَا المُفاجئةِ السَّاهِمَةِ,
لمْ تكنْ سِوَى دَرَج ٍ,
أنَّ الهَدَايا دَرَجٌ،
والخِيَاناتِ دَرَجٌ,
والمَوْتَ بَابٌ يـَفتحُ عَلي حَائِط ٍ،
وأجْرَاس ٍ مُتعَطِّلاتٍ,
ومَزيدٍ مِنْ خَرَس ِ الدَّرَجْ.

وقالَ الدَّرَجُ:
"
اِسْألوني أسُـؤْكُمْ
وَاصْعَدُوا فيَّ
ولا تكلمُونْ"


وقالَ الدَّرَجُ:
"
اِصْعَدْنِي مُبَالـِيَا،
أولا مُبَاليَا.
فأنا الدَّرَجُ
ليسَ لي قلبٌ كاليَمَامْ
وليسَ لي نبض كالغَمَامْ
لأنه ليسَ لِي
لأنه لمْ يُوجَدْ لِي قلبٌ
اِصْعَدْنِي دَارعًا ومتحدِّ يَا.
فأنا أجْرَحُ مِنْ حَيْثُ لا أُجْرَحُ،
أصِلُ بالجرح ِ للقلبِ،
وأصلُ بالقلبِ للجرح ِ،
فاصْعَدْ نِي
مُتوَاريَا
يَا عَاريَا
مِنَ الأجوبَة ".

وقالَ الدَّرَجُ:
أنا
المتكرِّرُ
المديدُ
البعيدُ
الخانقُ
المتناقضُ
الناطوحُ
المصقولُ بلا وجهٍ
ذو الظلال والأفنية
وأنتم الحريريونَ
المتلاشونَ
المطعونونَ
المهمَلونَ
المنبوذونَ
الملمعونَ للأحذيةِ
اللابسونَ للأقنعةِ
والرابطونَ للأربطة.






روحُ البناياتِ أنا
تأمَّـلوني،
ولا تصعدوا ثانية ً في المصاعد ِ،
هاأنتمْ أولاءِ توصدونَ البوحَ على لغتي،
وتتسامرونَ وحدَكمْ،
وترجمونَ قِططي التي في الليل ِ والنهارِ،
ها أنتمْ أولاءِ تلقونَ سلالَ قبحَكمْ
عندَ صباحاتي،
وتتركونني شحاذ ا يحدِّقُ في الصمتِ والأفنيةِ.
ها أنتمْ أنكرتـُمْ آلائِي
وكنتـُمْ أولَ الأمرِ زحفـًا
تصعدونَ.





أسيـِّرُكمْ خفيفِينَ أوْ متدلـلِينَ،
أوقظ ُ عندَ كلِّ سلمةٍ زهرة ً،
فتنحنونَ و تمسكونـَهَا،
وحينَ تفتحونَ قـبْـوَ نشوتِكُمْ لا تجدونها،
وعلى سلمةٍ أخرى غيرُهَا،
وأمامَ كلِّ جرس ٍ أمثالُهَا،
فتنحنونَ
وتصعدونَ
وتنحنونَ،
وتـَقـْطِفُونَ
وتـُقـْطـَفُونَ،
وأنا صانعُ الوردِ
وقاطفُهُ لوْ كنتمْ تبصرون.


حرِّمَ عليكمُ الليلُ لأنَّ الظلامَ لي.
والأزهارُ لأنَّ الأشواكَ لي.
والحبيباتُ
لأنَّ
الدموعَ
لي .

أجرعُ الليلَ كـلَّـهُ
أجرعُ الصبرَ كـلـهُ
أجرعُ الخمرَ كـلـهَا
عساني
أنسى
أنكم
تصافحونني
دومًا
بالنعـــــالْ.

الطائف نوفمبر2004




فــاصل سأخلد










1
ـ أمام صورة مفزعة



لا جـــلـيـــدَ.
لا حـــــــرَّ.
لا ذاكـــرة َ تنـــزفُ.
لا خيانة َ ترفلُ في قناعِهِا.
لا يــــأسَ.
لا ضمورَ في عضلةِ الحنان ِ.
(
وكانتْ شمسٌ تسطعُ بلا قسوةٍ،
ونهرٌ يتدفقُ بلا شوائبَ،
وأفاع ٍ بلا سمٍّ )
ثمَّ سُئِلـنا:
أليسَ ذلكَ ما تريدونَ مثيلَـَهُ في كوكبكم؟
لمْ نقلْ: بَلـَى
لمْ نقلْ: نعمْ
كنـَّا على حدِّ سيفٍ بينَ مطلق ٍ ونسبيٍّ.
2
ـ عــبـــروا

في الصباح ِ:
أخرجَ مِنْ يدِهِ فراشة ً،
وتحولتْ شفتاهُ إلى جسرٍ،
وعيناهُ إلى جناح ٍ،
عَبَرُوا إليه، وقالوا: اِفعلها ثانية ً
فأخرجَ لهمْ مِنْ أصابعَ مفتوحةٍ،
آلافَ الفراشاتِ،
وغنـَّى.
في المساءِ عادوا
بقوس ِ قزحَ،
وريش ٍ،
وساعدَيْنِ،
ونـَصل ٍ،
ولمْ يَنسَوْا ـ وهمْ يلوذونَ بالفرارِـ
أنْ يقطعوا الجسْرْ.
3
ـ الهـــــــواء


الهواءُ الذي دخلني غادرني،
واستقرَّ بعدَ زمن ٍ،
في رئةِ عدوِّي.
الهواءُ
داخَ كثيرًا
حتى اهتدى ثانية ً،
وامتدحَ رئتيَّ الصغيرتينِ ِ،
والتهابَ الجيوبْ.

الهواءُ كعاصفةٍ بين عدوَّيْنْ،
والهواءُ كدُخان ٍ بينَ جداريْنْ،
والهواءُ كنسيم ٍ بلا " بَيْنَ"




الهواءُ طارَ وغاد رني
واختفى.
والهواءُ جاءَ يتأملني وانكفأ.
ثمَّ غابَ ...






تألمَ الهواءُ في شهقتين ِ هناكَ،
وتألمَ الهواءُ في رجفتين ِ هنا،
ثم تمدَّدَ خاليًا من الهمِّ،
يلتقطُ أنفاسَهُ،
أخيرًا
الهواء.
4
ـ زهرة الأعالي

قال لي المرقد المائي : ابتلال الروح أشد

تزرعُ الحنانَ بلا ساعدين ِ،
لا لحية ٌ،
ولا كراهية ٌ ممضوغة ٌ.
الذين اقتسموا القلبَ ألَّهْـتـَهُمْ،
والذين ردُّوا عليكَ المحبة َ
بعدَ أنْ استهلكوها
ابتسمْتَ.
علبُ هدايَا بأربطةٍ أنيقةٍ، في منازلَ
ما فكَّرُوا في فتحِهَا،
لِيعلموا كم هُمْ قريبونَ.
ومع ذلكَ توقظ ُ في نوافذِهِمْ
أزهارًا وفراشاتٍ.
مضى الوقتُ الذي فيه زهورٌ بلا خناجرَ
تدبَّرْ ما تمَّ
حينَ فكرْتَ بِزهرةِ الأعالي التي فتنتكَ.







5
سأخلد




قال لي المرقد المائي : لا تغلق بابا قصدته الريح
سأخلدُ بكلِّ كلمةٍ قبيحةٍ أدَّعِي شرفـَهـََا
لكنْ ليسَ هذا شرفـًا.
فكثيرٌ مِمَّنْ تتسلَّطُ عليهم نجمة ُ الخلودِ
لا يستشعرونَ جدوى النورِ
حيثُ إنْ عيونهم مُلِئتْ بإغماضةٍ
على ذكرياتٍ تنتمي للعالم ِالسابق ِ،
عِلاوة ًعلى تحوُّل ِصُوَرِهُمْ
إلى سماواتٍ فضفاضةٍ،
أوصلتها الشعوبُ إلى الأساطيرِ،
أو إلى جينز يفسدُ الخِصْـية بـِقبضتِهِ.
الخيرُ تصميمٌ لمجرةٍ
مرفقٌ بها جَناتٌ ونَهَرٌ





سيوجدُ إذا وُجِدَ مهندسٌ متحمسٌ
لِيثبتَ نفسَهُ عبرَ تطبيق ِالفكرةِ
لا تطالبْنِي بكراهيةِ هتلر،
الذي لمْ ينلْ شرفَ معاصرَتِي.
لكي تطالبَني بكراهيةِ هتلر،
تحوَّلْ أنتَ إلى هتلر،
ودعْنِي أتعذبُ بواسطتكَ،
مشردًّا وجائعًا ومساقـًا كعجلٍ،
ولأجلي شاركْ في بروفةٍ تجهزُ على العالم
لكي تدفعَنِي إلى العاطفةِ،
ابتعدْ عن الفضيلةِ وكلمْنِي عن الممكن ِ
إنني لا أريدُ النهرَ للتأمل ِ،
ولكنني أريدُهُ للتزوُّدِ ببطارياتِ التسكع ِ
حتى أواصلَ مسؤولية َالعمرِ.

6
ـ حــاربــوني





بلى
أزدادُ قبحًا ليلة ً بعدَ أخرى،
وليسَ لي جفونٌ،
بمعنى أنَّ كلَّ ما تدبرونهُ أراه.
لا تمرُّوا مترددين
وليسَ فيكم ثقة ٌ،
حتى لا أزيحَكُمْ
كقطع ِ الشطرنج ِ.
حاربوني بالنهارِ الذي لا أعرفهُ ،
واعلموا أنَّ قمة َ تألقي
فيما هو مهجورٌ مِنَ الأرض ِوالكلام ِ.
لا مزيــدَ
نصحْتُ بما يكفي.

7
ـ مـواهـبـي تـضــيـع

قال لي المرقد المائي : إنك غارق وإنهم غارقون
فوقَ جسرٍ حيثُ يوجــدُ المطرُ
وضعْتُ تصـوَّرًا لحياتي,
و كانتْ دواماتٌ هائلة تنشأ في البحيرةِ القريبةِ,
عدساتي باشتْ رغم أنَّ نظراتي قاحلة ٌ,
وبهذا انفصلَ العالمُ
كقطارٍ تنعطفُ عرباتـُهُ كــلٌّ منها في تحوُّلٍ,
ذابَ الطفلُ ذو القدم ِالحــافيـــــةِ
في يدي,
ولا خاتمَ زفافٍ حتى اللحظةِ,
وعندما صَهَلَ فرسٌ لمْ أنظرْ,
فتلاشى
بعدَ أنْ اسـتـنـفــدَ طاقة َ الوفاءِ.





ثمَّ بدا لي مِنْ بعْدِ مَا رأيتُ الثلوجَ
أنَّ الجسرَ ينشقُّ عنْ جانبيهِ
ويهْوِي,
هنا منْ أجلِ أزمةٍ,
ومحاولةٍ يائسةٍ للفصلِ بين قطراتِ المطرِ
وبين ماءٍ
يبدُو كأنهُ هو مِنْ يوم ِ أنْ نشأ.
هذا أبيضُ وذلك متكررٌ.

لو كانتْ لهُ المقدرة ُ أنْ يقفَ
في الهواءِ
بعيدًا
دونَ أنْ يندمج.

























طائر مصاب بإنفلونزا



مارًّا علي المحيطِ،
لآخرِ مرةٍ،
لا سحابَ أكبرُ من دمع ٍ،
صنعَ الثلجُ مذبحة بالعشبِ الذي أحبني
شجرةُ الحلمِ دُفِنتْ حَيَّة ً
في البياض ِ،
أعلمُ أنَّ علي الشاطِئ ِ الآخرِ شَرَكـًا،
أعلمُ أنَّ بمجردِ هديلي سيبدأ ُ العرضُ العسكـري ُّ،
أعلم أنَّ السماءَ ستسقط ُ مغشيًّا عليها،
والتراجيديا ستنظرُ مِنْ بين ِ الكواليس ِ،
وينشـقُّ قلـبُهُا،


وهي تبصرُ بقعة ً منَ الدَّم ِ الحقيقيِّ علي ريشةٍ سقطتْ
قبلَ أنْ تبلغ َ الستارَ.


مارًّا علي المحيطِ لآخرِ مرةٍ ،
هنا صيَّادونَ يستأصِلونَ الزرقة َ،
هنا عملياتُ تـسريع ٍ،
هنا أراجيحُ تــَـنـْسَى،
هنا بين موج ٍ وآخرَ،
شباكٌ تلقِي مواعظـَهَا للغيابِ .
وُلِـدْتُ في غيمةٍ،
سأموتُ في غيمةٍ،
غيمتي الثانية ُ ليستْ كغيمتي الأولى بِحال ٍ
غيمتي الأولى غيمة ٌ،
غيمتي الثانيةُ ليستْ غيمة ً بحال ٍ.











لسْـتُ خرافيـًّـا،
بجناحَيْن ِ أسطوريَّـيْن ِ،
ولا لِي منقارٌ كَقراراتِ السياسيينَ،
ولا لِي مِمَّا يُصْنعُ مِـنهُ حَمَّالاتٌ أثداءِ الأميراتِ ريشٌ،
ولا لوني نمقَهُ قوسُ قزح َ،
ولا هديلي هديــلا.



...
لكنني ما نمْتُ مرة ًعندَ جـــــذع ِ الموعظـــةِ،
ولا أرسلـْتُ العِمْـيانَ إلى كهـفِ خفافيـــشَ,
كما أنَّ الشمسَ التي كانتْ تمـسحُ بلاط َ وحدتي،
لمْ تخرجْ منْ عندي لِتعملَ في ماخورٍ,
الليلُ الذي رافقني كَعُقابٍ
لِيُرِيَنِي أنَّ الحياة َ
تبيتُ في مخدع ِ مَنْ يدفعُ أكثرَ
وفراشاتِ الأنوثةِ لا ترفُّ
إلا على مومياواتٍ بلا رحيق ٍ
ذلك الليلُ لم أطعـنـهُ ولم يطعـَنِّي,
لكنناـ أنا وليلي ـ
وُجِدنـَا في مَركَبٍ مجهول ٍ،
وقدْ قـُطِعَتْ أصابعُنـَا
ودمٌ كثيفٌ في الشباكِ.




(
كنْتُ ذاتَ يوم ٍ
منْ لحم ٍ وضغائنَ.
كنتُ ذاتَ يوم ٍ
منْ مكائدَ و دم ٍ.
حبسني الظلُّ هاهنا,
فارتختْ يدايَ ،
وانكمشَ قلبي ،
ونشأتْ لي حوصلة ٌ...)
سَيُحَرِّقُونـَهُ
لأنـَّهُ أخرجَهُمْ في حزن ٍ ماطرٍ كهذا سيحرقونه
لأنهم يضعونَ أباطيلـَهُمْ في كِفَّةٍ،
وهو في كِفَّةٍ غيرِهَا.
لأنه بوابة ٌ ...
في الجدارِ الوحيدِ الذي يريدونَ سدَّهُ.
لأنه جسرٌ ...
فوقَ نهرٍ أخيرٍ يريدونَ عزلـَهُ...


كلُّ التفاحاتِ طارتْ لأعلى،
الناسُ صارتْ تمشطُ رؤوسَهَا لأعلى،
خرجَ الموتى
بأكفانِهـِمْ قائلينَ: سئمنا متابعة َأفلام ِالكرتونِ،
الفأرُ تجشَّأ، والقطُّ اختبَأ,
أخذوا عصائرَ وقشـَّرُوهَا,
فلمْ يجدُوا فِيهَا لـُبًّا, فجُنَّ مَسَاؤهمْ,
أخذوا الأحبـارَ
وأرضعوها لبيتِ الفم ِ الكسيرِ,
ولم يَهْدَؤوا حتى بالوا على تماثيلَ تذكاريةٍ,
ونصَّبُوا لمدينةِ الليلِ،
ذاتِ الأظافرِ المسلـــيةِ
صاحبَ أفضل ِ كفن ٍ حاكمًا عليها، ماتَ الزمنُ متوكئا, وظلَّ متوكئا حتى جئنا، وأكلنا مِنْسَأتَهُ, فخَرََّ,




وامرأة ٌألقمتْ ثدْييْهَا ِلشجرٍ لا يحبو, فنبتَ الدودُ في الملح ِ, ونحن أخذنَا بلحيةِ السأم ِ نجرُّه إلينا, وعكفنا على وخزٍ مسَّهُ المسخُ, وجعلنا كلمة َ الليل ِ هي العليا، عندها بدأتِ المحرقة ُ...
لأنَّ النسيانَ سرقَ حقائبَ دبلوماسيينَ واطـَّـلعَ
لأن الأرضَ دارتْ بعكس ِعَواطفِهـِا،
فانسكبَ كلُّ شيءٍ على كلِّ شيءٍ.
لأن التداعِيَ يجوبُ الميادينَ بِملابسَ خرقاءَ.
لأن كلَّ شيءٍ بالَ على كلِّ شيءٍ.
لأن النهارَ بدأ تقاعدَهُ في مجرةِ عميان ٍ.
لأن الليلَ أسلمَ نفسَهُ للنعاس ِ
على مقهى البحرِ.
لأن الماءَ تجلط َ والدمَ تدفـَّقَ.
لأن حياة ً على إفريزِ المجرةِ،
تبكي وتهدد ...














أحرقوني إذن
بالشجرِ الذي كانَنَي وكنتهُ
بالنسيم ِ الذي زارني وعاد سالمًا
بالعشبِ الذي عَلِقَ بأوتارِهِ قلبي
حينَ كنتُ ألتقط ُ الحُبَّ
وأنتظرُ المساءاتِ ...

المسلخُ توسَّـلَ لِي قبلَ المحرقةِ،
توسَّـلَ لي
بأناملِهِ ذاتِ الشفـرةِ الرقيقةِ، بحداثـيـَّتِهِ،
بلذةِ الذبيح ِ إذ يتركُ نظرة ً هائمة ً
تعـذبُ الذابحَ،
توسلَ لي بفلسفةِ الحزن ِالمُرَاق ِ،
عَبْرَ قرون ٍعدةٍ،
بتريليوناتِ الخوافي والقوادم ِ
التي استسلمتْ
فإنهُ مِنْ أجلِ حياةٍ أيًّا كانَ شكلُهَا
ـ إذ حينَ يرتبطُ الأمرُ بالذينَ يمجِّدُونَ الأزهارَ،
و الخداعَ.
بالذينَ ينحتونَ القيمَ المطلقة َ،
ليبولوا خلفَهَا،
فإنَّ مَنْ يملكُ التبريرَ
يظلُّ أطولَ وقتٍ ممكن ٍ في اللعبةِ.


قال لي المذبحُ:
لا تَكُنْ منطقة ًمنزوعة َ السلاح
قال لي:
غَنِّ للجسورِ ثمَّ اقطعْهَا
قال لي:
إذا كنتَ مقنعًا أو مقتنعًا فأنتَ إرهابيٌّ
قال لي:
أنْتَ بيئة ٌ صالحة ٌ للحفرِ
قال لي:
صافح ِ الآخرينَ بسكين ٍ
قال لي:
لا تؤجِّـلْ جرحَ النهارِ إلي الليل ِ
قال لي:
المصطلحُ يا عزيزي مُومِسٌ
قال لي:
استظل حين ينحسرُ الظلُّ
في العراءِ المطلقِ بِكْ.




مِنْ أيِّ فردوس ٍ، نَبَت ذلك الشيطانُ الـــــذي يدخنُ، ويمضغُ العلكَة، ويتبولُ في النافورةِ دمًا.
من أي جحيم ٍطُرِدَ ذلك الطيفُ الــــذي لا يدخنُ، وتمضغهُ العلكة، وتتبولُ النـــافورة ُ في فمِهِ وطنـًا.
والنافورة ُ التي ارْتَدَّتْ حديقة ً، جاءَهَا غرباءُ يمسكونَ العزلة َ مِنْ ذيلِهَا، ويصطـــــادونَ ملائكة ً بِخيوطِ العناكبِ، ثم يتقامرونَ علـى قلوبٍ ملأى بالفراشاتِ، وفي النهايةِ ينهضُ سكيرٌ، ويطوي الحديقة َ، كأمسيةٍ فاتتْْْ، ثم
يمضي
لِينامَ
عندَ
قطارِ
النفق.






الأفقُ الذي أضيعُ فيهِ كإبرةٍ،
الأفقُ الذي أقصَى أمانِينَا أنْ نتحابَّ بدفئِهِ،
الأفقُ الذي تجرُّهُ اليابسة ُ خلفَهَا،
كذيلٍ لا نهائيٍّ
ذلكَ الأفقُ انتبهَ على يدٍ تـُقطـَعُ،
و سماءٍ تسيرُ بلا ملا بسِهَا،
وقمرٍ يُقتَادُ إلى سجونٍ سريةٍ،
حتى
يُدْلـِيَ
بأقوالِهِ
عن
طائرٍ هاربٍ...




اِنشغلوا إذنْ
بتخزين ِالصدمةِ في آبارٍ تدرسُ،
انشغلوا بترميم ِ الشفقةِ أو رجمِها،
انشغلوا بصفع ِالزمن ِعلى قفاهُ،
بعدما تبينَ أنَّ ملابسَهُ الخرقاءَ،
ذاتَ الأكمام الطويلةِ،
وتهتهتهُ مجردُ كمين ٍ.
انشغلوا بمراسم ِ دفن ٍ بعد حداثيةٍ،
إذ تُوضَعُ القلوبُ
كلُّهَا
في مقبرةٍ،
والرئاتُ كلُّهَا في مقبرةٍ،
والمؤخراتُ كلُّهَا في مقبرةٍ.









ليتَ المحيط َ قطرة ٌ،
أحسوها،
وأضع لؤلؤََهَا بقلبي.
ليتهُ عشبة ٌأحملُهَا تحتَ جلدِي.
وأصنعُ منها عُشِّيَ الأخير.
ليتهُ قمرٌ يغيب ُأكثرَ ممَّا يسطعُ،
ما كنـْتُ أحببـْتـُهُ.
ليتهُ يسحبُ شالـَهُ الأزرقَ
حيثُ يكمنونَ
فيغمرَ أبصارَهُمْ بالزبدِ.


لو ترحلونَ دُفعة ً واحدة ً
لا توسِّخونَ الذكرى،
يتمثـَّلُ لكم النسيانُ بشرًا سويـًّا،
لا تفزعونَ في ليلِ عثرةَِ الريح ِ بـِأباطيلكم.
لو ترحلونَ دفعة ً واحدة ً
يهدأ عطبُ المهدئاتِ مِنْ صُدَاع ِ اليابسةِ،
لا تبولونَ على سَجَاجيدِ عفوٍ، ولا
تحطمُونَ مزهريَّاتِ بكاءٍ، ولا تنهضونَ
على دقائقَ تموتُ
بأزماتِ بوح ٍ بينما جثثٌ
مبهمة ٌ تـُلقـَى مِنْ نوافذِ الســـــهو.
لو ترحلونَ دفعة واحدة
لا تلتفتون إلى أيام ٍ تجلسُ مبتورة َ البصرِ،
ولا تقدِّمُونَ المَحَالِيلَ كعِلاج ٍ لليتم ِ،
بينما جذع ُ المُخِّ ميتٌ.





إذنْ سأشعلُ نفسِي
وأهبطُ في مجرَّة ٍ مِنَ القشِّ،
ليسَ ذلكَ قيـــامة ً لشيءٍ،
غيرَ أني أخبركم أنه
كمــا يكونُ بوسع ِإبرةٍ أنْ تخيطَ وتفقأ،
و بوسع دمـــعةٍ أنْ تفتتحَ نهرَ التشنجاتِ،
في مساءِ الفرح ِ،
وبوسع تمتمةٍ أنْ تركضَ بقلبِ عجوزٍ على زمن ٍ بجناحين ِ،
فإنه بوسعِ طائرٍ
مهيض ِالجناحين
أن يفعلَ بكم
الكثيرَ







كعاملٍ بنجاليٍّ مشنوق
أمام مشيئةِ الكفيل ِ
معهُ حزمة أهدابٍ يابسةٍ،
معهُ تحتَ جلدِهِ ركض ٌ،
معه ُغرابان يتقاتلان في قلبهِ،
معهُ خميرة ُ ليلٍ فرنسيةٍ،
معهُ ريشة ُ طاووس ٍ فرَّ من غابةِ زوارٍ
وراحَ يصخبُ قبل أن تدوسَهُ شاحنة ٌ،
معه أمواسٌ مثلومة ٌ بين جفنيهِ...
كالاستئذان ِعلى أفعى
كيفَ يكونُ



وانتبهْ
أنتَ خرجتَ إلى العالم ِ بلا سُترةٍ.

وانتبهْ
أنتَ منذ مولدِكَ وأنت تخوِّضُ في حائط ٍ.

وانتبهْ
أنتَ ترشُّ الأسِرَّة َ ظنـًّا منكُ أنها قبورٌ.

وانتبهْ
أنتْ تنامُ على نجفةِ البهو،
وتسيرُ على ماءٍ،
وتغفو
في
صدفةٍ
بالأفق ِ.




خارجينَ مِنَ الكهوفِ إلى الثلج ِ،
كلمتنا المشاعلُ
أنْ عودوا مِنَ التيهِ قبلَ المساءِ،
المعاطفُ شفة ُ الاطمئنان ِ،
النهمُ أمامَكم،
و وخزٌ طويلٌ مِنْ ورائِكم،
سنرشُو ذلك الإيحاءَ
بكمائن ِ اليقظةِ
سنصطادُ دهشة َالثعالبِ ذاتِ الفرو،
وتكلمنا أعينُهَا عن البياض ِ
الذي جمَّدَ الروحَ،
والأفواهِ الفاغرةِ على إيحاءِ اللاإيحاءِ،
النباحُ يدٌ
وبصيرة ُ اليتم ِ لا حد لها.

أحملُ الموتَ مَعِي أخيرًا
أنا والموتُ رَفِيقانِ
أخيرًا.
سأقدمُ لهُ البيرة َ،
سيقدمُ لي النعناعَ،
سآخذهُ إلى غابةٍ،
سيقتادني إلى المحيطِ،
سأصحبُهُ إلى الملاهِي،
سيقحمني في آلةِ الزمن ِ،
سأجرُّهُ إلى المَرقص ِ،
سيسحبني إلى الصلاةِ،
سأشتري لهُ جلبابَ الأكمام الطويلةِ،
سيشتري لِي لوزة ً بيضاءَ،
سأقولُ له: أنا البروروكو،
سيقولُ لِي: أنا التسونامي،
سأضعُ له المخدِّرَ في الزمن ِ،
سيرمِي لِيَ اللذة َ في اللامكان ِ.

فجأة ً بحيرة ٌاستوائية ٌ منْ تحتِ قدميَّ،
شلالٌ جارفٌ
خطَفَ قاربَ قلبي، ومضى
أشجارٌ برتقالٍ
قطعتْ رقبة َ الليل ِ بقصافةٍ ،
غابة ٌ
تستظلُّ بشمسيِّةٍ،
وسماءٌ تعزفُ
وشْـوَشَـاتٍ
فرحة ٌ خالصة ٌ
وأنا أحركُ جناحيَّ،
فـَيَخْفِقـَان ِ في الزَّبـَدِ،
وأكادُ أطيرُ
أكاد ُ
أطيرُ
فعلاًً.

مارس 2006








فــــاصـــــــــل الشمالي








1 ـ المطـاردة




هنا في الطريق ِ جَرَى شاعرٌ
بالجفاءِ الذي يشنـُقُ،
و بالسَّحَاب.
بالخيوطِ التي طارتْ مِنْ عينيهِ
العصافيرُ جاءتْ
صَنعَتْ أعشاشَهَا
فوقَ شجرٍ وأجهزةِ تكييفٍ
(
شيءٌ أغربُ منَ الخيال ِ، الكلماتُ ككتل حجريةٍ، تقفزُ مدمِّرة ً اللافتاتِ، وإشاراتِ المرور ِ، وكبائنَ الهاتفِ المعلقة َ )


كانَ لِيكتبَ يعتلُ الكلمة َ
ويضعُهَا بعدَ إرهاق ٍ
في منظومةِ السطر ِ.
الحبُّ كلمة ٌ متوسطة ٌالحجم ِ،
يرفـَعُهَا خطفـًا
ويحصلُ بـِهَا على مَركزٍ متقدم ٍ.
الكراهية ُ لا يفعلُ مَعَهَا شيئـًا،
لأنها في وزن ٍ صعبٍ.
سارعتِ "اليأسُ"، و تسمرَّتْ في الزاويةِ التي تهبطُ منها الحقيقة ُ،
تدخنُ،
وتلوِّنُ لوحتيْن ِ بالأسودِ.
ووقفتْ في ميدان ِ اللافتاتِ بلا جزع ٍ،
مزهوة ً بـِأحمرهَا،
رغمَ كسرٍ مضاعفٍ
في عنقِهَا " لا ".


أمَّا بلى فقدْ لونتْ وجوهـًا
و نحتتْ أقدامًا
تجري وترقصُ وتلهَثُ.


يومًا طُـلِبَ إليَّ أنْ أكتبَ
عَنْ كلمةٍ مِنْ عشرةِ حروفٍ،
صرخـْتُ،
ليسَ هذا وزني،
لا أرفعُ أحجامـًا كبيرة ً،
عذبوني لِغباواتِهمْ،
وأعطوني حِبْرًا،
ورافعة ً،
ثمَّ
أزاحوا الستارَ عَنْ حجرٍ هائلٍ
للديمـقــراطـــيَّة.


2ـ ما قالته الأطعمة داخل الثلاجة









في كلِّ مرَّةٍ
يخطِفُ الإنسانُ شيئـًا،
ننامُ ونستيقظُ على رفٍّ خاوٍ،
وليسَ سوى الأنين ِ
مكانَ الزجاجاتِ التي اختـُطِفـَتْ،
ليسَ سوى الأسَى وراءَ كلِّ طبق ٍ.





نتحطمُ
وأعصابـُنـَا مُنهَارَة ٌ
إثـْرَ كلِّ بابٍ يـُفتـَحُ،
مَنْ منـَّا سيأخذونهُ إلى هناكَ
حيثُ آلاتُ التعذيبِ الثقيلة ُ
السكاكينُ،
و الضروسُ التي تـطحنُ.
(
وما زلـنا نتذكرُ تضرعاتِ "التورتةِ" المساقةِ إلى احتفالِ الأمس كانتْ جميلة ً، ثلاثة أدوار، وشمعة ًواحدة ًلأجلِهَا حشرونا في دُرْج ٍجانبيٍّ، وأخْـلوا لها عدة َأرففٍ، كانتْ تقولُ : لمْ أكملْ يومًا، دعوني أموتُ طبيعيـًّا بالعفن ِوالفطر ِ )




كلُّ رفاقِنـَا مِنْ عُلبِ المُرَبَّى
ـ والذينَ كانوا يتحدثونَ بـِكبرياءَ ممتعةٍ
لأنهُمْ معقمونَ،
و يعرفونَ عمرَهُمْ بالضبطِ،
مِنْ قبل ِ أنْ يغادروا المصنعَ،
هؤلاءِ كانوا يؤنـِّبُوننا على الاستسلام ِ.
يقولونَ:
"
لا تزالونَ مكتملينَ، تفاحًا بـِحالِهِ،
وطماطمَ بحالِهَا، أمَّا نحنُ فقدْ صِرنا عجينـًا، خـُلِطْـنا آلافَ المرَّاتِ، حتى لم تعدْ لنا إرادة ٌ "

و كانوا ـ رفاقـُنـَا مِنْ عـُلبِ المُرَبَّى ـ
ينصحوننا دائمًا بالتغيير.



أمَّا الفُـلفُـلُ الأحمرُ بالتحديدِ،
فقدْ اتخذناهُ رمزًا،
حيثُ كانَ الأجدرَ مِنْ بين كلِّ الخضراواتِ
على النـَيْـل ِ مِنَ الإنسان ِ،
ولمْ يكنْ أحدٌ يجترئُ عليهِ
إلا ويصيبُ حلقـَهُ وأنفـَهُ معًا
بآلام ٍ مُبَرِّحَةٍ.



وفي انقطاع ِ الكـَهْرَبَاءِ قبلَ يوميْن ِ
ابتهجنا
وكمْ كانَ منظرُهُمْ مزريـًا
ـ أصحابِ المنزل
وهمْ يلفِظوننا بأسًى متعجِّـل ٍ
بعدَ أنْ حَمَضنا.


3 ـ ثورة الصـراصـير








أيُّهَا الأفندية ُ
لا تقبلوا إهاناتٍ أكثرَ،
ولتكنْ لدينا العزيمة ُ لِردع ِ أيـةِ مــبيداتٍ،
كلَّ يوم تزدادُ تحرشاتُ البشر ِ،
كلَّ يوم يموتُ مِنْ خيرةِ أبنائِنا
صرصورٌ واعدٌ.







اطَّـلعْـنا على وساخاتِ البشرِ،
ونعملُ كلجنةِ تفتيشٍ على قذارتِهِمْ،
لِنفهمَ سرَّ أنْ يعزلَ الإنسانُ برازَهُ،
وفي نفسِ الوقتِ
لا يتنصَّـلُ مِنَ القتلِ أو الكذبِ،
تواجُدُنا في البَالوعَاتِ
دليلٌ على أننا طلابِ علم ٍ،
وليسَ صحيحًا أننا نحبُّ الكريهَ مِنَ الروائح ِ
ولكنْ نحنُ علماءُ
نجرِي تجارِبَنا على أنفسِنا أولا بأول.








لِلإنسان أنْ يكونَ محاربًا،
يصفـِّي عَالمًا بانشطارِ الذرَّةِ،
لكنَّ أحدًا لا يمنعُ نفسَهُ مِنَ الهلع ِ،
و الاشمئزاز بإزاءِ وجودِنا،
وانظرْ إلى جنديٍّ عادَ مِنْ مناورةٍ،
و تقلـَّدَ وسامًا،
فإنهُ فورَ رؤيَتِنا متجولينَ بينَ الأطباق ِ
غيرَ عابئينَ لِتواجُدِنا المتطفـِّل ِ
يرفعُ حاجبيْهِ ويصرخُ كطفل ٍ
ـ لنْ تكونَ لهُ دِرَاية ٌ
وربَّمَا يستعينُ بشخص ٍأو أداةٍ لِينتقم.








لسنا خطِرينَ كالنمل ِ،
ولا نحتلُّ الأركانَ بوضع ِ اليدِ
كما تفعلُ العناكبُ،
ولا يوجدُ مِنـَّا مِنْ يُجْري تجاربَ على الدَّم
بأخذِ عيناتٍ بالعَـنوةِ أو التحايل.
وكم ندَّدْنا بالبَّعُوض ِوَالبراغيثِ،
لأنها تفسِدُ كلَّ شيءٍ بالتهور.
ولو عَلِمُوا لماذا نفضِّـلُ الظلامَ على الضوءِ
لأدركوا أننا فِعْلا نثيرُ القرفَ
ولكنُ ليسَ في مقدورِ أحدٍ مِنـَّا فعلُ شيءٍ.






ضعُونا فِي صناديقَ زجاجيةٍ كثورةِ تصحيح،
تقينا مِنْ قطـَّاع طرق ٍ كالعناكبِ،
و تزوِّدُنا بأمْصَالٍ،
ضدَّ ما تلغِّمُونَ طريقنا مِنْ سُمُوم.
وأخرى في داخلِكمْ
لِتفقدوا الكراهية َ إلى الأبدِ.
لا نطالبُ بأنْ نُعَامَلَ كالكلابِ،
تفتحَ لنا المطاعمُ،
ونتوَّجَ بالسَّلاسِل،
لأننا لنْ ننجحَ في عُرُوضِ المهارشةِ والوثبِ
ولِقوتِنا المحدودةِ
لسنا (بودي جاردز) ناجعين.








ذاتَ يوم
سنستيقظُ على حالةِ مصاهرةٍ
بينَ مغامرٍ منكم،
فـُتِنَ في ملكةِ جَمَال مِنا,
حتى يولدُ هذا الجيلُ الذي سيوفرُ علينا
أيَّة َصراعاتٍ عرقيةٍ,
لا نستبعدُ ذلكَ,
وملكاتُ جمال الصراصيرِ
موفورة ٌ,
كشعر الرأس.

4
ـ الشمالــي

لست خرافيا بجناحين أسطوريين ،
ولا لي منقار كقرارات السياسيين ،...
ولا لوني نمقه قوس قزح ،
ولا هديلي هديلا





الجنوبيُّ شيءٌ،
والشماليُّ شيءٌ آخرُ.
الجنوبيُّ طيفٌ،
والشماليُّ نـِثـَارٌ،
خطان ِ مُتوازيان ِلا يلتقيانْ.



الجنوبيُّ
نامَ عندَ جذع الموعظةِ،
بعدَ أنْ قشـَّرُوا أصابعَ قلبـِهِ،
وأفرغـُوا قلبَ أصابعِهِ.
الشماليُّ قطعَ غابة َ الموعظةِ،
ولمْ يكنْ لهُ أصابعُ،
لمْ يكنْ لهُ قلبٌ.



الجنوبيُّ يروحُ للمنزل الثالثِ
بعدَ المنحنى،
الشماليُّ يروحُ للمنحنى الثالثِ،
بعدَ الطلل ِ السادس ِ،
بعدَ البكاءِ الأخير.


الجنوبيُّ
لهُ صورة ٌ عائلية ٌ
على حائطِ الذكرى
في غرفةِ الألم
في مجرةِ الوداع.
الشماليُّ
ليسَ لهُ صورة ٌ
ليسَ لهُ عائلة ٌ
يرتدِي معطفَ أرصفةٍ
لا يحيا لِترميم ِ أزمنةٍ.



أخيرًا
الجنوبيُّ ناحية ٌ.
والشماليُّ
نزوة ٌ.




من مذكرات عبارة غارقة








علمَ بَنمَا
أنا لسْتُ مِنْ بنمَا
لمْ أصافحْ يومًا حنينـًا مِنْ بنمَا
لا أدري في أيةِ قارَّةٍ بنمَا
أغرقُ
وفوقَ ساريةِ ذهولـُي عَلـَمُ بنمَا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
ارتبط الشاعر بعبارة السلام 98 حيث كانت أكثر العبارات التي ركبها في ذهابه وإيابه إلى جبال الطائف
كانت رفيقة سفر وصديقة وداع





مائدة ٌ بقامةِ الليل ِ لأسمائِنا
لمْ تحملـهَا ملائكة ٌ
ولا طلبَهَا شاكٌّ
لمْ يكنُ خبزُ السكينةِ فيهَا ولا توابلُ الحكمةِ
انتصبتْ علي الموجِ هاهنا
قبلَ أنْ تجرعَ الدلافينُ سُكـْرًا مغشوشـًا
وتهذِي
الطباخونَ حُوصِرُوا في خـَندق ِالملح ِ
حُوصِرُوا وماتوا
لكنَّ الشواءَ ظلَّ يدورُ علي إصْـبع ِ الزمن ِ
وينزُّ













ضربَ الساحرُ هامة َ البحرِ فصارتْ نفقـًا
وضربَ مؤخرتـَهُ
فصارتْ تِيهًا
في النفق ِ أم التيهِ ـ يا سَيِّدِي ـ سيكونُ الحفلُ
في التيهِ
أمْ النفق.



أنتَ فاجأتنا أيُّهَا البحرُ
كانَ الاطمئنانُ يحنُّ لِقلبٍ اصطناعيٍّ
حتى يفتحَ عينيهِ المُسْبَلتيْنِ منذ عصورٍ
أنتَ فاجأتنا أيُّهَا البحرُ
كانتْ قماشة ُالروح ِ تحتاجُ لِرَفـَّاءٍ
على الشاطئ الآخرِ رفاءٌ
يحتكرُ خيوط َالحنين ِ
التي لا تـُحَاكُ الروحُ إلا بها


أيُّهَا البحرُ
لنا مقابرُ في اليابسةِ
اشتريناها أغلى مِنَ القراريطِ
وشواهدُ سَتـُحَبَّرُ باعتزازٍ
لنْ ندفنَ في صدفٍ
فنحنُ لا نحتملُ القنصَ مرتيْن ِ







لنا أرصدة ٌ مِنْ قـُبَل ٍ مُجَمَّدَةٍ
إذ لا يمكنـُهَا أنْ تمرَّ بلذتِهَا عبرَ الهاتفِ
لنا أهلٌ
قدْ رتـَّـبُوا أنفسَهُمْ على حَمْـل ِ حقائبـِنا
خبزوا المَحََبَّة َ في أفرانِهِم ِ المنزليةِ
ورشـُّوا غبارَ الوحشةِ
لِيهدأ أمامَ البيوت.
وحينَ يجيئونَ
سيفسخونَ البابَ الخرافِيَّ للذاكرةِ
سيقولونَ لنا: أهلا
ويبللونَ ياقاتِ تـَرْحَالِنا
بالدُّموع.










هناكَ أناسٌ سيكلموننا عن ِ الغربةِ
ونكذبُ عليْهِمْ
سَنخبرُهُمْ أنـَّهَا رحيمة ٌ
تـُعْطِي ولا تأخذ
سنواري شيبَ الروح ِ الذي فضحَهُ شيبُ البصرْ
ونتصنعُ اتصالا هاتفيًّا
منْ جوَّالٍ قادرٍ على التقاطِ الصورْ.




كمَنْ نبتتْ ثعلبة ٌخرساءُ
في فروةِ ابتساماتِهِ
كمَنْ وَضَعُوا دموعَهُ فِي غـِربَال ٍ
ولمْ تسقطْ.
كمَنْ توهَّجَ كسوفٌ في عينيهِ فجأة ً.
كمَنْ يحدِسُ عقربًا على قفاهُ.
كمَنْ نامتْ في مِخدعِهِ رائعة ُ "أصعدُ الدرجَ"
كمَنْ ينهارُ
جسرٌ خشبيٌّ
تحتَ قدميهِ
السَّاهِيَتيْن
كمَنْ دسُّوا لهُ في السَّعَادةِ سمًّا.
كمَنْ اقتادُوا انتمَاءَهُ مَعْصُوبًا إلى مُعْتقل ٍ.
كمَنْ ألقـُوا ماءً ناريًّا علي بروفيلِ بصيرتِهِ.

كمَنْ انفجرتْ في ذاكرتِهِ مواسيرُ صرفٍ.
كمَنْ حاصرتـْهُ مجرة ٌ
منَ "المارينز"
وليسَ مؤمنـًا.
كمَنْ أجْبـِرَ على صعودِ
نخلةٍ مرسومةٍ
على حائطٍ
أملسَ.
كمَنْ جاءَهُ طردٌ فيهِ جثة ُ ماضيهِ.
كمَنْ بـِمُوسيٍّ معقم ٍ بالكولونيا
داعبوا رجولته
كمَنْ تدحرجَ
عمرَهُ
في بالوعةٍ
وهو
يراهُ.



أنتَ توأمُنا الملتصقُ بنا مِنَ الرأس ِ
أيُّهَا الغرقُ
لمْ تكنْ انقلابًا عسكريًّا فاجأنا
لمْ تكنْ مطرًا موسميًّا
لمْ تكنْ نزوة ً
أولَ العمر ِاختطفْتَ مِنـَّا الطفولة َ
في ظروفٍ غامضةٍ
واقتدْتـَها منكوشة َالشعر
إلى حُزن ٍمَجْهُول ٍ
لِتدفعَ بها في النهايةِ
مِنْ فوق ِجِسْرٍ خشبيٍّ في الذاكرةِ.
بعدهَا فتشنا دولابَ الفرح ِ
فوجدناهُ خاليًا
حتى مناديلهُ القزحية َ
لمْ يتركْ لنا مِنهَا
واحدًا

يومًا آخرَ
كانَ لصُّ الزمن الملثـَّمُ
يَخطِفُ أسناننا اللبنيَّة َ
في حضورٍ باهتٍ للشمس ِ
بعدَ سنواتٍ
رأينا انهيارَ سدودٍ عديدةٍ,
ورأينا أشجارًا تنزحُ خارجَ أعمارِنا ،
وحفرًا عميقة ًفي الروح ِ
تؤنسها شهوة ُالبكاءِ,
بعدَهَا ترجَّلَ نحونا رملٌ،
ورأينا أشباحًا تشبهنا تغوصُ
شيئـًا
فشيئـًا
باتجاهِ أرض ِ
الشيخوخةِ
المقدسة.


"
الرَّدَّاحُونَ" رَدَحَتْ لهم الهَرَاوات,
لكنهم أبصروا دمعَ الهَرَاوات،
مِنْ دُون بَصلٍ يبللُ حِذاءَ العسْكريَّةِ,
شوهدتْ خوذة ٌتعتقلُ حوتـًا حقيقيًّا,
وظلـَّتْ تعذبُهُ بالكهرباءِ
وبقتل ِحيتان ٍصَغيرةٍ أمامَ عينيهِ,
حتى استقاءَ أشرعة ً
وأجوبة ً
وأطواقَ حياة,
ذهبتْ كتيبة ، وأحضرتْ شخصًا
عيناهُ زرقاوان ورجلاهُ من ماءٍ,
وصاحتْ: هذا هوَ البحرُ,
فانهالتِ الشباشبُ على رؤوس ِ الميادين ِ,
وجرفَ سيلُ اللعنةِ صنمَ الانتظار,



"
الرَّدَّاحُونَ "
غادَرُوا حينَ اكتشفوا أنَّ البَحْرَ
لمْ يكنْ بَحْرًا,
أشعلوا حَطبَ النقمةِ،
وظلوا يَخبـِطُونَ على الأفخاذِ بالضجر
جرحًا بعدَ آخرَ
كانتْ خيامُ الانتظارِ
تـُنصَبُ في ميادين ِالنفور ِ,
وكانَ أصحابُ الهَرَاوات يتغيرونَ إلى الأسوأِ,
ومَعْدِنُ الولاءِ الذي صُنِعُوا منهُ تهاجمَهُ سوسة القهر
واحد ٌألقى الهـِرَاوَةَ
فإذا بها تصيرُ مدرعة ً
تلقفُ الذين احتقروا حذاءَ العسكريةِ في خاطرهم
وفرُّوا باتجاهِ نفق ِالعزلةِ.


وأنتَ تقتلني يا بحرُ
اجعلْ عينيَّ تغفوانِ
قبلَ أنْ تذوبَ الصورة ُالتي في يدي
إنْ أردْتَ أنْ تفترسَنِي يا بحرُ
فلا تفترسْ يدي التي فيها خاتِمُ حبيبي
فالخاتِمُ بلا يدٍ سوفَ يَغرَقُ.
خذ هَدَايَايَ يا بحرُ
بيديكَ الخُرَافيتيْن
واجعلها تنجرفُ إلى السَّاحِل
اجعلها تصلُ حتى كرسيِّ أبي القعيد
اجعلها تنطُّ جوارَ لبلابةِ النزيفِ
التي تنعسُ إلى جوارها حبيبتي
فإنَّ الملحَ لا يحترمُ الهدايَا
والرُّعْبَ قدْ سَرَى في عرائِسَهَا
حتى شابَ شعرُهَا القطنيُّ النبيلُ
وانتصب.





سَنمُوتُ بشرطٍ يا بحرُ
أنْ تجعلَ سَمَككَ الذهبيَّ
ينطُّ إلى قلوبنا
ويأكلُ غرفَ الحنينِ بجدرانِهَا والصورَ
ثمَّ يجنحُ لِشصًّ حميم ٍ
يلتقطهُ شغفـًا
ثمَّ يَسْترْخِي فوقَ مائدةِ الأهلِ
وينظرُ لِصورِنا
ذاتِ الشارةِ السوداءِ
فنبتسمُ فيهِ
وهو يتلاشَى في يدِ النسيانِ
الذي يأكلُ قلبَنا الهضيم.


سنموتُ بشرطيْن ِ يا بحرُ
أنْ تثبِّتَ لنا شاهدًا على الماءِ
وتجعلَ لنا مزارًا
لنا يابسة ٌخرجتْ بسترتِهَا الداخليةِ
لِتضاجعَ العالمَ ريختر
في ميدان ِالصَّدْمَةِ
تمنَّتْ لو تصيرُ
حَبْلا
يتدلـَّى
بعيون
أحبائنا,
لِيَرَوْنا
في
المرقدِ
المائِيِّ


والمرقـدُ المائيُّ ليـسَ جاهـزًا الآنَ,
ليسَ جاهـزًا أبـدًا,
كيفَ نفرُشُ المرقـدَ المائيَّ بنشارةِ خشبٍ ملوَّن ٍ, كيفَ ندسُّ في يدٍ خلفَ الظهرِ الحلـوَى لأبناءِ الرفقاءِ, كيفَ نمكيجُ جثة أنقـذتْ الملائكة روحَهَا مِنْ فم ِالسمكِ في اللـحظةِ الأخـيرةِ, كيفَ ننفخُ بالـونـًا للطفولةِ، ونحنُ في قبضةِ المـاءِ، والهــواءُ أرستقراطيٌّ هاهنا, كيف نأتي بتلفازٍ أبيضَ وأسـودَ لِيسمعَ الجدُّ الضريرُ نشرة التاسعةِ, كيفَ نأتي بجرائـدَ وأجهزةِ إفـاقةٍ كديكورٍ
كي يمرَّ بأروقتِـنا
عازفو التصريحات.
نحن مـوتى ونتصبَّبُ خجلا
لأننا لسنا قادرينَ على استقبالِ الضيوف.



قالَ لِيَ المرقدُ المائيُّ:
لسْتَ جاهزًا.
قالَ لِي:
لا تغلقْ بابًا قصدَتـْهُ الريحُ
قالَ لِي:
ضع ِ اليقينَ كلـَّهُ في سلةٍ واحدةٍ
قالَ لِي:
لمَ الهَرَاوات
قالَ لِي:
ابتلالُ الروح أشدُّ
قالَ لِي:
غرقى الماءِ ليسوا الغرقى الوحيدِينَ
قالَ لِي:
لوْ سَلِمْتَ من اليابسةِ لسَلِمْتَ منـِّي



قالَ لِي:
غالبًا ما تأتِي المروحياتُ
بعدَ حينِهَا

قالَ لِي:
إنْ كانَ البحرُ بحرًا,
فاليابسة ُ
محيطــًا
قالَ لِي:
قمْرَة القيـادةِ ليـسَ فِيهَا
جثـثٌ.
قالَ لِي:
إنـَّكَ غـارقٌ
وإنـَّهُمْ غـارقـون...

منذ قرون مِنَ النحيبِ،
والبحرُ مَاش ٍ
في جنازةٍ بلا جثامينَ,
والنهارُ يخسرُ مرافعاتِهِ في محكمةِ البكاءِ,
وفيلُ الدهشةِ يلعبُ كرجل سيركٍ بالموتِ، والميلادِ، وعلاماتِ الترقيم، ويتلقفها بأصابعِهِ الممغنطةِ, والسمكُ جسرٌ معلقٌ مرَّتْ عليهِ قافلة الألوان, والمقاهي رشـَّتْ أعمارًا على رَمْلِ المجرةِ, وأقمارٌ مشتْ بلا مشاعرِهَا, ونحن صَبَبْنـَا بيرتنا
في فم الذاكرةِ, وقمنا بلا معاطفِنا
متدثرينَ بالبردِ، ثمُّ اشتعلنا كمكتبةِ ذخائرَ مرَّ عليها برابرةُ حربٍ, ودفنوا ما تبقى منها في النهر, مخلفينَ وراءَهُمْ إبريقَ خزفٍ يصبُّ الوداعاتِ.







مِنْ تراتيلِنا:
الذمُّ للوقتِ،
مقطوع اليديْن ِ،
الخوان ِالأثيم ِ،
كرة لا نهائية مِنَ الجحيم ِ،
أعطى نهارَنـَا لِقطِّهِ السمين ِ،
وأشعلَ نارَهُ على الجرح ِ
القديم ِ،
لولاهُ ما كنا في الحياةِ مبلسِينَ،
وقتٌ وإنْ منحتـَهُ الوقارَ فهُوَ مهينٌ.







كمجرةٍ
سكبتْ موقدَ الكيروسين ِ
على ذكرياتِهَا،
وشاهدْناهَا تتوهَّجُ
كم مِنْ بطاطينَ يكفي
لِحجبِ المشهدِ
عنْ سماءِ الذاكرةِ.
كم مِنْ الضماداتِ
سيواري احتراقَ القلبِ.
كم مِنْ إبرٍ عازلة.





قالتْ لِيَ العَبَّارَة ُ:
أنـا
لسْـتُ
بنـمِـيَّة ً
يا عزيـزي. .

قالتْ:
أنـا ابنـة اليَـمِّ
واليَـمُّ هـو أبـي
اليَـمُّ
هو
قـاتـلي.




تلكَ الديناصوراتُ التي تضرِبُ بذيولـِـَها ناطحاتِ السحابِ فتهوي, مَنْ معهُ منكم بيضَهَا فليَرُدهُ, فإنَّ الصيحة التي تولدُ في رحم ِالفؤادِ أكبرُ مِنْ أنْ تكمِّمَها يدُ الزمن نفسِهِ ذاتُ المليون إصبَع ٍ والألفِ ذراع.
هاهو الزمنُ يلطمُ التاريخَ على قناعِهِ،
في مشهدِ رسوم متحركةٍ، والتاريخُ يتعثرُ فارًّا في سَجَّادةِ البكاءِ, وسِرْوَالهُ يتدلَّى مِنهُ, صورُ البريق تسقطُ، ومزهريَّاتُ الخِدَاع فوقَ رأسِهِ تتوالى, لكنْ ليسَ بهذهِ السهولةِ سنحملُ نعشَهُ, فالكذبُ الذي لا يقتلُ في حينِهِ يصبحُ إلهَ البراري.











هاهو الزمنُ
حبيسٌ في قارورةِ الديناصوراتِ,
في حَلـْبَةِ صِرَاع أخيرٍ
بينما الأبيضُ المستديرُ
يتحركُ كبندولٍ ساطعِ الرنين ِ
في يدِ الأبديَّة.



سَلِمتْ يـدُ الخـداع ِ
تقبِّلهَا شـفاهُ اليُتم
صَـَباحَ مَـسَـاءَ.
لولاها ما ضُربَتْ مفاعلاتُ الذكرى
بقنابلِ النسيان
لولاها ما قـيِّدَتْ الخيانة ُ ضدَ معلومينَ
لولاها ما امتصتْ تسونامي الغضبِ
إسفنجة ُالعللِ
لولاها ما وَطِئنـَا زجاجَ الحسرةِ
بقدمِ التبريرِ
لولاها ما اقتِيدَ فيلُ الاتهاماتِ
إلى مصحٍّ عقليٍّ
لولاهـا ما حدثتْ فتنة طائفِيَّة
بين الحنين والبــوح
لولاهـا ما التقمَنا حوتُ الاستسلام
لِنحيَا فيهِ بـلا عـبادةٍ


لولاها ما انزلقنا في الطين,
ليأخذنا "هُدْرُ" التخـلـِّي
لولاها ما قلَّمَ أظافر الهذيان
مِبْرَدُ البكاءِ
لولاها ما تنازلنا
عنْ أسهم المبالاةِ
في مزادٍ مغلق
لولاهـا ما كحلنا الدنـيا الصلـعاءَ
بِكحلةٍ
ولا ألبـسْـناهَا بـاروكة ً
ولا دعَّمْنا صدرَهَا الضامرَ
بمطاطٍ
مستديرٍ
ولا رقـَّعْـنا غِشاءَهَا العذريَّ...
ولا منحْناهَا شفتينِ رحيمتين.





قالَ لِيَ المرقدُ المائيُّ:
سَأخْرِجُ العَبَّارَة َ
على جناحيَّ
وأجعلها تسْقِطُ القشريَّاتِ التي عَلِقَتْ بروحِهَا
ستقفُ ها هنا
أمامَ مرآةِ النهارِ
عارية ً تمامًا
في نفس الأمواج التي ذبحتها
لِيلقيَ لها العابرونَ أزهارًا
ورسائلَ حبٍّ
بحجم الأبديةِِ
لتلقيَ للعابرينَ أنينَهَا الأخيـر








...
سأظلُّ هكذا
مرة ً فِي كلِّ عام
أصعدُ بهَا على جناحيَّ
إلى أنْ يأتِيَ
بلا مواربةٍ
مِنْ جانبِ اليابسةِ
أيُّ ردٍّ.


أهلا بكم في مدونة نائية

الصمت أعظم الموسيقيين



في الغرفِ الفارغةِ
من البهجةِ
في العيون التي ودعتْ
آخرَ حقيبةِ دموع ٍ
في القلوب التي
مُسِحَتْ ملفاتُ الحبِّ
منها
في الهواتفِ التي لم تعدْ ترنُّ
في النفس المنشقةِ
على نفسِها
في جنائزَ لأزمنةٍ
أو لأمنيات
نجدُ آلاتِهِ التي لا ترى
تعزفُ سيمفونية
سوداوية
تقهرُ سمعَ الجميع .

ملامح الشعرية في " انظر إليها كم أنت مرهق "


إيهاب خليفة

يمتح عالم خوشمان قادو من جنوح خارج قولبة الشعر و أسئلة برية لا تلبث أن تخدش حواسك وتجثم على صدرك ، وأعنى بذلك الجنوح عدم الانسياق في تقليد النمط وإن وجد ، فهو ابن تجربة فريدة ، ولحظة تواشج مع دلالات منفتحة وعوالم مدهشة ، وأعني بتلك الأسئلة البرية تلك الأسئلة التي تستعصي على الإجابات السهلة العقيمة وتراوغ في مهادنة طرح اليقين ، يقدم قادو في ديوانه ( انظر إليها ، كم أنت مرهق ) الصادر عن الكتابة الأخرى ، بنية نصية لقصيدة نثر منحوتة من حجر ، وعبارت كشذرات ، لا يقترب الشاعر من تفاصيل عابرة إلا لتكون تكئة لحمولات دلالية تتسرب في بنية السرد الشعري الذي يعبر به الشاعر بحدسه الشعري فلا يصبح النص النثري نثريا كاشفا بقدر ما يوارب ، وبنظرة خاطفة إلى عنوان المجموعة نلمح عدم استكانة الدلالات وتنشأ الأسئلة البرية التي ادعيتها: فمن الذي يدعو للنظر ؟ ومن المرئي ؟ أهو كيان آخر بشري أم مرآة ؟ وإذا كانت المرئي مرآة فلماذا لم يقل انظر فيها ؟ وإذا كان المرئي كيانا آخر فلم لم يقل كم هي مرهقة ، ولم حل الرائي محل المرئي وتجلى في هيئته ؟ وأخذ التباساته ، إن من الخطورة هنا الأمساك بجسد الدلالة وادعاء سكونيتها فشعرية الديوان لا تفترض ذلك ، بل يمكن أن يأتي آخر ويدعي تأويلا مغايرا ومقبولا ، لذا فيكفي التأكيد أن دلالات الديوان رغم ذلك البناء المنحوت والمحسوب بدقة بالغة تطرح الغموض في الوضوح ، ولا تستعمل الوضوح إلا على مستوى اللفظ فقط بينما التركيب يجعل الوضوح ملتبسا ، إذا دلفنا لنتأمل ملامح وقسمات شعرية ( انظر إليها ، كم أنت مرهق ) وأدعينا أننا سنميل برغم ما في ذلك من مصادرة على المطلوب إلى أن الرائي في المجموعة الشعرية يحل محل المرئي و تنزاح الذات لتصبح مرئية في غيريتها ، فالداخل ليس داخلا ولا الخارج كذلك .

ملامح التجربة :

1 – الذات تنصت لنفسها والصمت أشبه بخزانة لوعي مضاد : تركن الذات الشاعرة إلى الانصات وقراءة الزمن الذي تشظى في داخلها ، الزمن كله حاضر ومتشظ

في الركن ذاته

توسدت يدي

قبالة حصتي من النظر

لا شيء يسمع

سوى اهتزاز يقفو عيني . ص13

إن النظر هنا ليس فعلا يتوجه خارج الذات بل رحلة الحواس المضادة في تقاسيم الذات واستقراء هشاشتها و نتوءاتها( النافذة فاقدة الوعي ، تتخذ / من فمي شرفة ص13) فالنافذة المعطلة تكتشف انفتاحها مع انفراجة الشفاه والكلمات التي سوف تولد حبرا ، لتنطلق إلى عوالم معرفية ، حيث تولد ذاكرة الشاعر التي تؤسس لداخل صالح للاكتشاف حيث تصبح اطلالة الآخر على الذات لحظة اكتشافها لنفسها هدما لعالمها

( اغتسل بالصوت

ساهيا عن التوجس بالعتمة

نشاز صوت ما

يغتال ذاكرتي ..

متثاقلا ، الباب يبدد

كل ما في ذهني ص 14 )

( الضجيج الشبق / افتض البوح ص 43 )

بل إن الصمت يتلبس الذات والجسد ( معطفا جريئا كان الصمت ص 16 ) ونشير هنا إلى أن الرؤى التي تكاشفها الذات وتكتشفها لا تظل لصيقة بها بل تتبد بسبب مراوغتها وعدم سكونيتها ( الدهشة / تخسر اكتشافها العظيم ص 41 )

2 – الذاكرة بوصفها عبئا أزليا : الذاكرة تضاد ذاتها وتجرحها ، لذا فالذات تغدو خفيفة بدونها و تحاول إزاحتها

( لم أعد قريبا من ذاكرتي ،

الحشود كلها غادرت المكان

حاملة أطيافها

في عيونها الناعسة ، ابتعدي ... ص 15 )

غير أن الشاعر لا يزيح الذاكرة كلها فثمة عجز باد في تحويلها إلى جثة فاقدة الوعي لذا فهو يعطلها

( لي الآن

مخدة جديدة

شوارع جديدة

سماء لا تدعي أزياء جميلة

أعلقها – ذاكرتي ، على يمين الباب ..ص 19 )

كذا تهترئ الذكريات في عالم خوشمان قادو وتشيخ في سيرورة تقادمها في البال

( مرة أخرى سيحل الانتظار

لعلي أحلم

حتى لا أتكئ على الذكريات المتقاعدة ص 41)

إن شيخوخة الذكريات هي الموت الذي ينهب الذاكرة بانمحاء شخوصه في الخارج وبفقد لذة تكرار هذه اللحظات وانفلاتها حيث اللاعودة

( معا عثرنا عليها

معا فقدناها دون أن ننظر فيها

بوابة غدونا

لعبور ما تبقى من ذاتنا ص 22)

وعليه تنتاب الشاعر نستالجيا إلى ابتعاثها ( الحنين وحده ، رقيقا ينفض الرفات ص 45 ) ويجنح الشاعر إلى خلق ذاكرة جديدة يشيدها لمنجزه وانفتاح رؤاه المكتظة لكنها لا تتحقق

( ذاكرة جديدة

في الصمت تنزلق ، مقايضة شقيقاتها

المنكمشات في حلق أمكنة

جافة وعارضة أثداءها الصدئة

طويلا من الزمن ..

في ارتقاب ظفر

يداعب لحمها الفاتر ص 51 )

لذا تتوجه إلى مرافقة النسيان للحفاظ على ما تبقى من الجسد

( يكفي أن نبرعم

خاصرة النسيان ، حتى نأتمن على

شرفات الجسد ص 72 )

3 – الخارج شيء منمحي التضاريس : خوشمان قادو لا يصف الخارج بعدسة فوتوغرافية لا يشكله في جسد متعين بل يخلقه ضبابيا ويظل لديه خارجا فقط

( الخارج

طواعية ينجز فكرته

ربما أراد أن يشرئب إلى النافذة حينما كنت ص 11 )

وهو خارج مهترئ معبأ بالانكسارات والخدوش مما يعني أن حواس الشاعر رغم هشاشتها غير مشوشة في تبصرها للآخر ، لذا فهي تمارس فضحه

( خارج الغرفة

ثمة أثلام ،

من الغرابة أن لا مكان للضوء ، في الداخل

كل ما تموضع

سقط في الشارع ،

المارة

سهوا تركوا وراءهم ص 26 )

ولا تسعى الذات الشاعرة لحسم ملامح الخارج ولا تتعجل في ذلك

( ما كان خافيا عليّ / لم أمقته . ص 57 )

( في الليل لا مكان للزمن

في أبسط ركن تستطيع

أن تؤاخي بين الاحتمالات كلها ص 67 )

ويلجأ الشاعر لبناء مشهدي يضاد المشهدية حيث يبدو كلوحة رمادية

( ها هو المشهد يمجد جراح الحياة .

الأشباح وجوه

تخفي غمازاتها في الافتراض

على أكتاف القرى قافلة من أوهام ،

تريش شعر الشمس ص 72 )

تحيا الذات حاضرها الرمادي في عالم بلا تضاريس

( مسافة طاولة

تمشي العتمة

معلقة إلى أن الساعة .

مادحة نفسها ص 43 )

وتتكيف مع ذلك مع هذه الضبابية

( اليوم لا داعي

للعناق .

فقط تكفينا السعادة الجديدة

برفقة الظلال

المفروضة علينا ص 74 ) .

4- تعطيل الشعرية بالسرد خارج السرد : النص يطرح فكرة عدم اللهاث خلف نمط واحد من شعرية الشعر ويجمح خلف سرد تزامني تعاقبي وسرد لا تزامني ولا تعاقبي ، فإن خوشمان قادو القاص بامتياز يراوح بين مستويي السرد هذين فالمستوى الأول يمثله نص الأحذية المتعانقة :


زاويةٌ مكشوفة،
مقعدٌ
إلى الهواء مُسنِدٌ ظهرَه،
نسقٌ
من الأفواه والآذان
بيننا ، نحن الأربعة، بضعةُ سنتيمترات
مسافةٌ
قسناها فترةَ الرضاعة،
الجانبُ الأيسر
بعد وشوشةٍ
من المشهد
رغب أن ينفصل
تاركاً المسافةَ كما هي،
الفضول استدارَ
إلى أقصى اليسار...
الصوتُ
إلى مستوى المقعد انخفضَ
ناظماً إيقاعَ
الأحذيةِ المتعانقة؛
حينها
الملامحُ بدأَت تطفو
دون رغبةٍ
من وجوهها.

وبإعادة تنسيق المقطع ليكتب كالتالي : ( زاويةٌ مكشوفة ، مقعدٌ إلى الهواء مُسنِدٌ ظهرَه ، نسقٌ من الأفواه والآذان ، بيننا ، نحن الأربعة، بضعةُ سنتيمترات؛ مسافةٌ قسناها فترةَ الرضاعة، الجانبُ الأيسر بعد وشوشةٍ من المشهد رغب أن ينفصل تاركاً المسافةَ كما هي ، الفضول استدارَ إلى أقصى اليسار...الصوتُ إلى مستوى المقعد انخفضَ ناظماً إيقاعَ الأحذيةِ المتعانقة؛ حينها الملامحُ بدأَت تطفو
دون رغبةٍ من وجوهها
) نلمح هنا محاولة تعطيل الشعرية وانحسار الدلالات المتوهجة لنقف أمام ملمح قصصي بارز تفرض عليه قصيدة النثر سلطتها وتنتزعه بجذوره التزامنية لينضاف أفق جديد تحلق فيه ، ولست أقصد بانحسار الدلالات هشاشة النص السابق أو أن نثرية فجة وقع فيها بحيث لم ألمح ذلك البريق المدهش الذ ي ينتاب النص ويهيمن عليه ، فلست منحازا إلى مستوى دون آخر من السرد، لكنني أصف نمط الصراع بين التزامني التعاقبي واللاتزامني واللاتعاقبي وأستنتج أن أحدهما يعطل الآخر ولولا ذلك الخرق الدلالي (مسافةٌ قسناها فترةَ الرضاعة ) - (الفضول استدارَ إلى أقصى اليسار...) – ( الملامحُ بدأَت تطفو دون رغبةٍ من وجوهها) لما تعافت الدلالات و لظلت واهنة و قد أكون مضطرا لإيراد مجتزئ قصصي لخوشمان قادو للاستدلال على ذلك ترجمه عن الكردية ريبر يوسف وهو نص غبار أبيض وهو من مجموعة قصصية لم تنشر بعد :

في الوقت ذاك ، غدا الدمُ في جسمه تَعِباً ، تخدرت أطرافه ، أبيضّ محيطُه ، الترابُ مجففاً تهاطل عليه ، كتم الغبارُ أنفاسَه ، إذ أجال طرفه نحو الأعلى تهاوى الرخام عليه ، في خفّةٍ نحا رأسه جانباً

نجد النص القصصي عاليه لا يختلف في شيء عن السرد في الأحذية المتعانقة ، ويمثل السرد اللا تعاقبي بما فيه من تجلي شعري بارز ، وتوليد لدلالات كبرى تحتشد حتى تفيض عن حدود البياض نص خلفي ما تراه ، فنوم الهواء يؤكد على انغلاق النوافذ واستيقاظ الذاكرة وإيقاظ رفاتها كما أن الخارج يشرئب كما لو كان حبيبة كما لو كان رابطا دلاليا فهو الذي شحن الأصوات وهو السر في التمدد في الصمت ، وكيف كان مولدا للصوت والصمت معا :

هواء الغرفة
ينام ، تاركاً لي
متسعاً من أصوات
تشحن كل ما حولي .


الخارج
طواعيةً ينجز فكرته،
ربما أراد أن يشرئبّ إلى النافذة
حينما كنتُ
ممدداً على صمتي.


الخزانة المنتفخة
لم تنج من
رائحة ظَهري.
كم يؤلمني
صوتي، في الهاتف
ثاقباً حنجرتي!
صديقي لم يخبرني
بشأن رائحتي في فراشه
و لا بحلمي المختبئ
تحت السرير.

الحقيبة ما كانت تَسَعُ رعونتي أكثر
حين استدراجي نعاسَها
إلى كتفي.


في الركن ذاته
توسّدتُ يدي
قبالة حصتي من النظر،
لا شيء يُسمع
سوى اهتزازٍ يقفو عينيّ.
أُبارك المسافة
متوهماً بالهواء الذي أنشقه.
النافذة فاقدة الوعي، تتخذ
من فمي شرفةً، ترطبُ الفجر الذي
يشاركني كأس الماء.
ثم تعطيل الصوت المادي المتعين للأصوات الداخلية لدرجة أنها تزاح كلية وتنمحي بعدما كانت الذات تغسل مفراداتها وتستضيء في عتمتها المادية وغير المادية :


أغتسلُ بالصوت
ساهياً عن التوجّس بالعتمة،
نشاز صوت ما
يغتال ذاكرتي..
متثاقلاً، الباب يبدّد
كل ما في ذهني.

5 – مفارقة اللامفارقة : يمثل نص خوشمان قادو درجة من استنارة قصيدة النثر وعدم إعادة انتاجها لمنتج شعري سابق ، وعدم تدويرها للمعاني أوانعكاسها لنصوص وافدة أو سابقة ، أو اجترارها لما هو مكرور سلفا فهي رغم إخلاصها عن وعي أو دون وعي للشروط التي حددتها برنار الشروط الملازمة لقصيدة النثر وهي : التكثيف والتوهج والمجانية ( اللازمنية ) فقصيدة قادو تصطنع مناطق دلالية جديدة للتوهج النصي بحيث تجنبه مراهقة اللهاث وراء التكثيف أوالمفارقة ، فليست الدهشة هي حبيسة العبارة الأخيرة بل قد تكون المفارقة افتتاحية أو متضمنة أوختامية أو معطلة بالكلية ،فالمفارقة الختامية تتبدي في نصوص مسافة / خلفي ماتراه / نافذة بينما نصوص الانتظار مثلا تأتي منزوعة المفارقة مفرغة من فكرة استرضاء القارئ مما يؤكد أن الذات تسرد كل ما يتواشج معها دون الالتفات إلى شيء خارجه حتى لو استحضرت ثيمات رومانسية الدلالة كلاسيكية البناء :

هكذا

سأعود

طائرا..

نهرا..

طفلا يحبو

نحو فيء شجرة ..

ينتظر... وينتظر

وينتظر...

تلك نظرة سريعة وإطلالة على عالم شاعر واعد يبدو نصه محافظا لكنه نص خارج من رحم المغايرة .

*شاعر وقاص كردي, من سوريا. يكتب بالكردية والعربية,

له مجموعة قصصية بعنوان ، إلى جانب ديوانه الأول Qolinc

أهلا بكم في مدونة نائية

لماذا أنا ناءٍ ؟!
لماذا مدونتي نائية ؟!
لماذا شِعري بعيد ؟!

مساء يستريح على الطاولة



الطبعة الأولى
القاهرة 2007
صدر للشاعر :
* أكثر مرحا مما تظن
سلسلة ديوان الكتابة الأخرى
القاهرة 1997
* طائر مصاب بإنفلونزا
القاهرة 2006















إلى متنافرين
لن يكونا
أبدا
متجاذبين










ما قاله الصلصال في المصنع

نحْنُ دُمًى
صنعتنا اليدُ العارفة
صنعتْ لنا الأذيالَ
والأرجلَ
والأيديَ
والرؤوس
وتركتنا هاهنا ثابتين .

تركتْ أمامنا
جرائدَ
وسجائرَ
وأسدلتْ ستائرَ حولنا
ولم تضعْ على البابِ قفلا .

تركتِ الراديو يعملُ
ومسرجة قريبة غيرَ مطفأةٍ
والحارسَ البدين نائمًا
والشارعُ قريبٌ .

أسلحتنا صلصال
وهوياتنا صلصال
وعيوننا صلصـال .

كل ليلةٍ هكذا في مصنع ِالصلصال
يُسْمَعُ الضجيجُ
والصراخُ
ويفتحُ الحارسُ البدينُ عينيهِ
ثمَّ ينزوي
في شخيرهِ
المخيف .

قبلَ أسبوع هربتْ دمية ٌ
كانتْ ترتدي
قميصًا منْ صلصال ممزق
تركتْ لنا رسالة ً
منْ صلصال سريٍّ
كانَ في ساقِهَا رصاصة ٌ
منْ صلصال مشعٍّ .

جنَّ الحارسُ ذوالنابين
والشفةِ الحبشيةِ
والمسدس
وظلَّ يطلقُ الرصاصَ حتى الرعب
في الهواء .






كلَّ ليلةٍ يأخذوننا
لكي نعترفَ
في المخفرِ
القريبِ .

كلَّ ليلةٍ نعذبُ
ثم ننسلُّ من طاقةٍ جانبيةٍ
ونمضي
في الشوارع هائمين .


كل ليلة نعودُ
نتسلقُ بنطالَ الحارس
نقيد يديه بالخيوط
وننتفُ شاربَهُ
نصفعُ بقوةٍ قفاهُ
ثم نرتدُّ
كما كنا
قبل أن تشرقَ الشمسُ
على مصنع ِ
الصلصال .



الحلـوة

يفرونَ إلى بيتِها العتيق ِ
يريدونَ مغفرتَها
وهي ميتة ٌ
العجوزُ التي تساقطتْ أسنانُها
وافترستْها تجاعيدُ
الموشومة في يدِها
المشوهة الآنَ
التي كلما سألوها عن شيء
راحتْ في خيال ٍ
ولم تردْ
التي تستفيقُ مرة في السنةِ
تحكي عن أبطال ٍ
وبطولاتٍ لم تحدثْ
معها خنجرٌ
عليه دمُ عشيقِها الوحيد .

ألم تكنْ هناكَ
والمرايا تتبعها
وهي تغسلُ الأوانيَ في ترعةٍ
شعرُها إلى نصفِ ظهرها
وقرطها طويلٌ
وخلخالُها يستنفرُ الحجرَ
لكنْ ما من أحدٍ تزوجَ بها
عاشتْ عانسًا
تسخرُ منها النساءُ
والرجالُ يتمنونها في الحرام ِ
لشدةِ جمالِها
لا يمكن لرجل أن يعطيَها اسمَهُ
لشدةِ جمالِها
عقدتْ لها أمُّها مزادًا
لشدة جمالها
أخبرتْها عرافة بالمصير .

الحلوةُ
حبيبُها خرجَ ولم يرجعْ
وجدوهُ
ممزقَ الأعضاءِ
عندَ منحدرِ الجبل ِ
ووجدوا قلادة ًغريبة ً
مشبوكة في أصابعَ ممزقةٍ .

كانوا يحسبونَ عليها الأنفاسَ
كانوا يتجسسونَ علي ظلها
كانوا يتمنونها
ويحلمونَ معها بليال ساخنةٍ
ومع ذلك كانوا
يعاملونها بازدراء .

ألم يشنعوا عليها
ويحاصرونَ بيتها
بالمشاعل ِ
والسباب .

- " أخرجي عشيقك أيتها السافلة
أخرجيه وإلا..."

الحلوة أرادتْ أن تعذبَ الكلَّ
فهشمتْ مرآتها
وألقتْ على وجهها
ماءَ النار
وخرجتْ في الظهيرةِ
إلى الطريق .

- " منَ الفقراءِ كان حبيبي
من العامةِ
كان نور عيني
من يردَّ نورَ عيني ..."

أمها ماتتْ
المخطط ُلاغتصابها
وملفقُ التهم لحبيبها
أطلقَ الرصاصَ على رأسهِ
الجبلُ الذي كان مسرحَ الحادثةِ
طارَ في الهواءِ
الذين عادوا في المساءِ
ومعهم السرُّ
خرجوا هائمينَ على الوجوهِ .

قيل : عاشتْ متسولة بعدَ ذلكَ
قيل : صارتْ تنبشُ القبورَ
وتنظرُ في كلِّ كفن ٍ
قيل : إنها تخرجُ
في صورتِها الأولى
في أوقاتٍ غير معلومةٍ
تخلع ملابسها
وتسبحُ مثلَ جنيةٍ
برجلين كَزعنفةٍ
وتغيب شيئا
فشيئا في بحيرةِ الأبد .

البلدة العظيمة


نعم
انتقلَ الأحياءُ إلى المقابر،
وانتقلَ الموتَى إلى البيوتِ .

وُضِعَ في قصر الحاكم
جثة لحاكم قديم
على نفس الكرسيِّ
المرصع بالجماجم
والدماء ،
ووُضِعَ حارسان مقنَّعَان
من نفس الزمن
كان يفضلهما ،
ويؤثرهما بالجلدِ
والسباب .

المتهمونَ بالخيانةِ
بُحِثَ عنهم في كلِّ قبر ،
ورغم التشوهاتِ
التي دمغتْ عظامَهُمْ ،
والتي جعلتهم شبْهَ مجهولينَ
إلا أننا على يقين ٍ
أنهم هم أنفسهم
الموتى المطلوبونَ
الذين عارضوا ،
ها هُمْ مرة ثانية
يُسَمَّرُون في ساحةِ الإعدام
في بقايا أكفان قذرةٍ ،
وبأجسام يملؤها الدودُ
و الغبار.

و ها هم الحراسُ النبلاءُ
ذوو الهراواتِ،
الذين ساهموا في القبض عليهم
بعد مطارداتِ الوحل ِ
والغاباتِ
والجبال ِ
يبتسمون في أكفانهم أيضا
ومعهم سياطهم
ونياشينهم
وخلفهم كلابهم
ذاتُ الأجراس التي ترنُّ ،
كلابهم المدربة السوداء
الميتة أيضا
التي تكادُ تنبحُ .

ها هي البلدة العظيمة ُ
عادتْ كلها من جديدٍ ،
القاضي آكلُ السحتِ
بمكر عينيهِ ،
وفتواهُ المعلبة ُ،
والوزراء ذووالأبراج
والجماهيرُ
التي لا تجيدُ سوى الهتافِ ،
ولا ينقصنا الآن
سوى لعنةِ الروح
حتى تكون اللوحة ُ
مشهدًا
حيًّا
يخلو
من حياة .

الميت


الميتُ
بلا حبل سُرِّيٍّ
في ديسمبرَ القاسي بكى البردَ
وأمُّهُ خياطة
وأبوه نساج .

الميت
لم يكنْ يسعدُ لقدومِهِ أحدٌ
ولا يصطفُّ لوداعِهِ
أحد .

الميت
عذبه الشيخُ الأعمى
بالجيم المعطشةِ
حتى فرَّ
واثنتا عشرة علامة زرقاءَ
على ظهرهِ الضامر .

الميت قال لهم "لا أرى اللهَ "
فطردوه
وقال لهم "أراهُ "
فطاردوه .
الميتُ
فاضتْ روحُهُ
بدليل أنَّ عينيهِ ساهمتان
وكفه حين تـرفع
تسقط ُمكانها
و هاهم يحملونهُ
الميتَ
تماما فوقَ الأكتافِ
لا لأنهم عرفوا قدرَهُ
ولكنْ لأنَّ ثمة أشياءَ
يجبُ أنْ تُوضَعَ
في المكان ِ
الذي ترك .

" توكْ توكْ" شارد جنب الكورنيش


لا أبواب لي
ولا رخصة
يرونني خطِرًا
كالرجال الذينَ لهم لِحًى
لأن الهواءَ يدخلُ من هنا
ويخرجُ من هناك
حيثُ هنا وهناك
واحد .

سائقي يسمعُ أغاني شعبان عبد الرحيم
ويدخنُ سجائرَ لا طعم لها
سائقي يبغضُ الشرطة
التي تركبُ ولا تدفعُ
والزبائنَ الذينَ يطنشون .

الحبيباتُ غادرْنَ
تاركاتٍ له الياسمينَ
والقبلَ التي استعصى الهواءُ
المشبعُ بالجاز على حملِها
الحبيباتُ يركبْنَ سياراتٍ غامضة ً
في شارع جامعةِ الدول
ولا يرجعْنَ أبدا .

فوقَ إطاراتٍ سوداءَ ثلاث
أقلبُ أو لا أقلبُ
بمظلةٍ واهيةٍ
أبتلُّ أو لا أبتلُّ
بلا كشافاتٍ
أصدمُ أو لا أصدمُ
كلُّ لجنةٍ مروريةٍ أذى
كلُّ موعظةٍ حفرة
كلُّ ازدراءٍ مطب .

سأمرُّ في كلِّ الميادين
بلا حرج
لا لجان ولا شرطة
أتوقفُ حينَ أريدُ
أركنُ بمقتضايَ
معي سارينة تلفتُ الانتباهَ
معي سماعاتٌ
لا سائقي وضع حزامًا
ولا كفَّ عن التدخين .
دعوني أدمِّرُ الفتارينَ
دعوني أرى إطاراتي تُصَفَّى
وتنطلقُ واحدة
إثرَ واحدةٍ
إلى المجهول
دعوني أرى مظلتي تُثقب
ثقبًا بعدَ آخرَ
والسماءَ تصحو
وسائقي يموت .

وحدي ذاتَ يوم
بلا أحدٍ في داخلي
سأمضي نحْوَ لجنةٍ مروريةٍ
لسْتُ فريسة تطاردُهَا غابة ٌ
لسْتُ "بن لادن"
وليطلقوا الرصاص
وليطلقوا الرصاص
فليسَ لي محطة الآنَ
سواي .


مشاعر

بقرن جديدٍ ، للمرءِ أنْ يفرح
حيثُ كلُّ الأمنياتِ ممكنة ٌ
إن كنْتَ رومانسيًّا
فقدْ ينبتُ لك جناحان
بهما تحطُّ على السحابِ
إن أمكن
وبهما تغيبُ في الذكرى
أو الشفق
إن كنْتَ بلا ساقين
فها هي الأرجلُ الصناعية ُ
والأعينُ الصناعية ُ
والدموعُ الصناعية
فإنسان هذا القرن لا يجبُ عليهِ
أن يبكي بنفسِهِ
معنا المناديلُ الصناعية
معنا عرائسُ من الصين
تندبُ
معنا قواريرُ بكاءٍ عالية ُالجودة .

نحن في قرن جديد
للمرء أن يضع جدولا للمشاعر
في السادسةِ صباحًا يكتئبُ
عند احتضار الشمس يرقصُ
يفرح حين تنتزع الأرواحُ
ويموت كمدًا
حين يرى مولودًا
يصعد على مسرح الوجود
لِيؤديَ دورًا ثانويًّا
مادامت كلُّ الأدوار تُخْتَمُ بالسفر
مَنْ يكرهُ الأربعاءَ سيمرضُ
ومَنْ يحبُّ الآحادَ
سيحزنُ
واضعًا يدَهُ على مساميرَ
لا تزالُ تنزفُ .

سيمكنكَ أنْ تمرضَ وتحقدَ
وتفرحَ وتحزنَ
وتغضبَ وتَصْدِمَ وتُصْدَمَ
بمواعيدِكَ أنت
كل الأشياء
لا شيءَ سيستعصي
سوى أمنيةٍ واحدة ووحيدة
هي أن يعودَ بكَ وقتٌ
إلى وراء .

كيس قمامة أسود

من الميلادِ
أعلمُ أنني وطنٌ
لِمَا هو مهملٌ
و منفي .

حياتي أمام الأبواب
أو تحت
أحواض الغسيل .

كل وقت يأتيني زائرٌ
بلا ملامحَ
يحملُ ذكرياتٍ عفنة ً
الدجاجة كيف قصُّوا أعضاءَهَا
وألقوا أحشاءَهَا
الخبز لا يزورني إلا والفطرُ
طافرٌ على وجهه
كَحبِّ الشباب .

ممَّ صُنِعْتُ
من إطاراتِ السياراتِ الممزقةِ
على أرصفةٍ لا أ سماءَ
لشوارعِهَا
ومن سرنجاتِ الحقن .

أين أنتظرُ
أنتظرُ
مكوَّمًا بجوار أعمدةٍ مطفأةٍ
أخشى أن ينسوني
فأصبحَ
فريسة لِقططٍ
ستسحبني
على الإسفلتِ
منتهكة أسراري
أو لشتاءاتٍ
تضربني من كلِّ جانب
بمطر لا يعرف الرحمة .

أين العمالُ الذين يدفسونني
في عرباتٍ تجرُّها
بغالٌ
سوداءُ
مجهدة
أين العمال
الذين سيعيدون تشغيل أحشائي
بما يدرُّ ربحًا خرافيًّا
على وكلاءَ
مجهولين .

خرجْتُ من كلِّ بيتٍ
مطرودًا
ومصحوبًا باللعنةِ
محمَّلا بالأسرار
كثيرونَ يرونني
كثيرونَ يلمسونني
لكنْ لا يقاسمني أحدٌ
شبقَ المحرقة.

كَرجل ٍانتهى أمرُهُ



هذا هو الريموتُ
الذي ابتكرتُ
ريموت يصوبُ إشاراتِهِ الضوئية َ
على البشر
لا على الجمادات .

الرقم 1
إذا صُوِّبَ نحْوَ أحدٍ
سيجعلهُ دونما يدري
يرشقُ المارة َبالحجارةِ
ويسبُّ العابرين .
الرقم 2
يجعلُ الضحية َ
يقتلُ أولَ ظلٍّ يقابلهُ
على طريقةِ
"أعلمُ ما فعلتَ في الصيفِ الماضي "
الرقم 3
يوقِعُ المرءَ في حبِّ أول ما يرى
حتى لو كان حيوانًا بريًّا .
هذا الذي يحملُ الكلبَ الأجربَ
هو ثمرة هذا الإنجاز ،
وهذا الذي يصادقُ كيسَ القمامةَِ
الأسود .

الرقم 4
يجعلُ المرءَ في اتجاهٍ
والمجتمعَ في اتجاهٍ آخرَ،
ويصاحبُ هذا الرقمَ دائمًا
دويٌّ و انفجارات .

الرقم 5
يجعلُ المرءَ مثاليًّا جدًّا
يحبُّ ما يكونُهُ
ويبجِّلُ الدولة
والحاكمَ
والتاريخَ .

الرقم 6
يجعلُ المواطنينَ
يمتلكونَ جرأة غيرَ عاديةٍ ،
فيحاصرونَ الحاكمَ بالأسئلةِ ،
ويصحبونهُ إلى أيةِ قلعةٍ
حيثُ يضربونه بالقباقيب ،
ثم يلقونَ رأسَهُ
وخوذتَهُ الصدئة َ
إلى قارعةِ الطريق .

التجربة أجملُ ما في الحياة
سأسلط الريموتَ الآن عليكم ،
وأضغط الرقم 7
فتمرُّ أنهارُ الرقةِ فيكم ،
وتُعْصَرُ قلوبُكم كالدمامل ،
فتصفو
لكنني لن أعذبَكم بشيء كهذا .

لا سأسلط عليكم الرقم 8
فتسقط الأقنعة
التي تحيط بغرائزكم ،
ها أنتم الآن عراة :
الأفعى
تنسلُّ من بلوزتِها إلى السرير،
الخفاشُ يهوِّمُ
تاركا ورقة الاحتفاء ،
العقربُ المستعلي
يدخلُ في قارورة
ويتدحرج إلى الخارج ،
الرجلُ الحرباءُ
يهرولُ على فرع شجرة خريفية ،
والفراشة تذهبُ لِتحترقَ
فوق مسرجةِ الضوء .

كرجل انتهى أمره
سأضغط الرقم 9
وسأجعلكم تتناوشون
و تتماوؤون
وتشتبكون
كرجل انتهى أمره
سأثبتُ الصورة الآن
ضاغطا على كاتم الصوت ،
وأنسلُّ تاركا إياكم
على هذا الوضع
لسنوات .

لا
كل ذلك أكاذيب ،
كل ذلك أكاذيب .
لا أقصد وجود الريمـــوت
من عدمه
ولا ماهية الأرقــــام
بل في كيفية الإمساك بحلم كهذا
والضغط عليه
بأنامل
يد
مشلولة .


نملة

أعدى أعدائي
الشتاءُ
يشعرني بالعجز
يرغمني
على اللهاثِ الدائم
يجعلني أعيشُ
كلاجئ سياسي مطارد
يحرمني من الحياة الحرة .

الشتاءُ كلمة لا أطيقها
حتى لو سمعْتها في الصيفِ
أشعر بجسدي
وكأنه يتجمَّدُ
محتقرة من الكثيرين
ولي أهونُ الممالكِ على الإطلاق .

اسمِي نملة
ماضيَّ نملة
حاضري نملة
الخارجونَ قدْ لا يعودونَ
الآخرونَ لا يكفونَ عن التحرشاتِ
والحياة الملتصقة بالأرض
هكذا
عذابٌ مقيم .

ماذا أري
أقدام كائناتٍ عملاقةٍ
تزيحُ عاصفة رمادٍ خرافيةٍ
في وجهي
ماذا أؤمل
وأبسط ُحقوقي مهدرة
أنْ تكونَ لي قامة
أنْ أتنسَّمَ
بلا ركام
أن لا أدفن وأنا حية
في نتوءاتٍ حذاءٍ شاردٍ
ويمثل بجثتي عبر آلاف الأمتار .

قاصمة ظهر الصراصير
ومعذبة الآدميين
ومعشوقة السكر
معذبة بلا حدود
من يواسيني
أنا الضائعة بلا مؤانس
الآتية في آخر سلسلة المخلوقات
ماتتِ الديناصوراتُ ولم أمتْ
ماتتِ الديناصوراتُ
ولم أمتْ .

ربيبة الأرق ابنة الليل
طعامي فضلاتٌ وجثثٌ
أخباري بائتة
وحياتي كلها في عبوديةٍ .

كنت أمة في سوق
اشتراني سيدٌ ، من السيدِ
كنتُ دجاجة في حظيرةٍ ،
اقتنصني طاهٍ ،
من الطاهي
كنتُ تربة خصبة ، جُرِّفتُ في الليل ،
لِمَ الليل
سأشردُ قبيلَ الشتاءِ القادم
عن السرْبِ
سأستقبلُ لأول مرةٍ
حبيباتِ الجليدِ بلا خوفٍ
وأناضلُ حتى أصعدَ فوقها
قدْ يكونُ ذلك مستحيلا
قدْ أموتُ عندَ أول خطوةٍ
أو معَ أول قطرةٍ
لكنَّ روحي
ستصعدُ إلى آفاق بعيدةٍ
آفاق لم تصل إليها مِنْ قبلُ
مخترقة بسعادةٍ
هذا الضبابَ الكثيف .

مذكرات جنين لم يولد

هذا مكانٌ ضيقٌ
وكئيب
أشعرُ برغبةٍ عارمةٍ في هجرهِ
قدماي لا تساعدانني
في إيجادِ مخرج .

لِمَ أعيشُ في ظلام
أنا الذي سأولدُ
كيف سأواجهُ النورَ
وأحلى وقتٍ
في عمري
يضيعُ هباءً .

أسمعُ جيدا
وأفهمُ
وأشعرُ بوطء
وتنهداتٍ
وتأوُّهٍ يأتي من قريب
و زخاتِ مطر .

ثمرة خطيئةِ الحبِّ أنا
والدليلُ الحيُّ
على تفاهةِ التصور
حيثُ لا مادة
تجسِّدُ المعنى
العالمُ كبيرٌ في الخارج
يجبُ إتقانُ الكذب
فبدونِهِ لا حياة صالحة
يجبُ تعلمُ النفاق
فهو الجسرُ الذي تمرُّ فوقهُ
كلُّ نجاحاتِ البشر
يجبُ إتقانُ البكاءِ
والانتماءُ لأرصفةٍ سريةٍ
وعدمُ البوح باسمكَ
لأيِّ شخص .

إن وُلِدْتُ
فسأصْمُتُ
على عكس كلِّ الصغار
سأصمتُ طوالَ عمري
ولن يستطيعَ أحدٌ
الحصولَ مني على ضحكةٍ
واحدة .
إن ولدت
لن أسمحَ لهم بوضعي
في غربال ٍ
ولا بالهمس في أذني
بأيةِ إيعازاتٍ
لن أسمحَ لهم
باجتزاءِ أيِّ شيء مني
من أيِّ موضع
لا تكحيلَ عينيَّ سأقبلُ
ولا ثقبَ أذنيَّ .

إن ولدتُ فلن أنادي أحدًا
بوصفٍ إلا إذا تحققتُ منه
لا أبوة سَتُمْنَحُ إلا بعدَ
تجاربَ طويلةٍ
وإثباتاتٍ دامغةٍ
ولا أمومة سينادَى بها
ما دمْتُ سأحرمُ من رضعةٍ
في موعدها
مادام الصبارُ
سيكون رفيقي
في أقرب الفرص .

تقول التي تحملني
في الذهاب والإياب
إنَّ سريريَ الهزاز قد أعد
من خشبِ الزان
أن لي غرفة ً
سأعيشُ
فيها وحدي
أنني لا يمكنُ أن أنامَ
معها في السرير الكبير .

إن ولدت مع كل هذا
ووضعي المقلوب
فسأدينُ بالانتماء فقط لأبى
الذي عرفتُهُ
قبلَ أيِّ أحد
أبي الذي أحاطني لأشهر كاملة
بلوني المفضل
أبي الذي
اسمهُ
ظلام .


كيف قتلت طقطقة الأصابع
قطي الوحيد

لا يستطيع طقطقة أصابعه
فهو قط
وأنا كما تشير الأدلة
آدمي
وحيد .

سنعقد صفقة إذن
بيني وبينه
لأنني أريد نشر الفزع
في قلوب النائمين
حين يصحون
ويجدونني أحدق في أحلامهم
وأريد سرقة أطعمة
وأجري
وأريد
قطة من الشارع
أخرج معها في ليلة
ليلة كاملة
أتحرش بها
ثم نتهارش في الصباح
ونقطع الصلة
بعد أن يغرس كل منا نابه
في الذكرى .

سيخلع القط فروه
وسأضع أمامه جسدي
وسوف يتم التبادل
في وجود شهود
من الجانبين
ولتجد الأرصفة
مغفلا آخر
لكي يصاحبها
ويطقطق الأصابع .

قصائد
نفور



من النهر الجاري والفراشات
من ابتسامة طفل ملائكية
و زرقة بحر
من صدف يتنبأ
و ليل
من ضحك ونحيب
من البيوت والشوارع والناس
من كلِّ ما سبقَ وغيره
أنفرُ كثيرًا

لا تقولوا لي: نحبكَ ، سأنفرُ
لا تحضروا لي أزهارًا ،
سأنفرُ

خاصمْتُ نفسي
ومعي رقبة زجاجةٍ
أرفعُهَا تحتَ الظلام
متربصًا
لأطعنَ روحي بها
حين تمر .

لم أفتح لنفسي




ذلكَ بابٌ ملغزٌ
ليسَ وراءَهُ شيءٌ
ولكنْ لأنَّ عليهِ قفلا
فثمة مَنْ يرغبُ في الدخول .

هناكَ غابة تطرقُ
وطوفانٌ قد ملَّ
وريحٌ
و
نفس.

كسلانُ أنا
أريدُ سَحَّابَة ً
لِقدميَّ
سأفتحُ عندَ مجيئِها
للغابةِ
والطوفان
والريح التي ستبعثرُ الهدوءَ
ولنْ أفتحَ البابَ
أبدًا
لنفسي .

يقطين


يومًا
سكبَ الله كلمة في أذنيَّ
...
يومًا سكبتِ العائلة كلماتٍ
في روحي
...
يومًا
سكبَ الساسة ُ
كلماتٍ أخرى في جوفي
...
لو نظرتُمْ
لرأيتُمْ زرقةالبحر
قد خالطها دمٌ
وأشرعة متكسرة ً
وعلى الشاطئ غريقـًا
بعورةٍ مكشوفةٍ
وليسَ فوقهُ
يقطينة ٌ
واحدة ٌ.

الصمت أعظم الموسيقيين



في الغرفِ الفارغةِ
من البهجةِ
في العيون التي ودعتْ
آخرَ حقيبةِ دموع ٍ
في القلوب التي
مُسِحَتْ ملفاتُ الحبِّ
منها
في الهواتفِ التي لم تعدْ ترنُّ
في النفس المنشقةِ
على نفسِها
في جنائزَ لأزمنةٍ
أو لأمنيات
نجدُ آلاتِهِ التي لا ترى
تعزفُ سيمفونية
سوداوية
تقهرُ سمعَ الجميع .


ثمن


أمسكي بذراعيَّ
فأمام عينيَّ
أزمنة منهارة
ويقظة
وكوابيس
إن الجفنين قريبان جدا
قريبان
لكن ما أصعب
تعانقهما
من دون حبيب .
الآثمة





بنفس وجوهنا غدا
سنصحو
تاركين على الوسادة
لعابنا
الذي نعجز عن منعه
من السيلان
في النوم .
لن نقول لها
" صباح الخير "
ولن نمنعها
وهي تنتقل من سرير لآخر
ومن حانة إلى أخرى
ومن فاسق إلى عربيد
دوختنا الآثمة
سيرتها
في كل الحكايات
فسدت .


من سيرالسلة*

---------------------------------------------------------
* هذا ما سمعته السلة قبيل اختفائها الغامض من يد السيدة البدينة التي لا تجيد سوى الثرثرة ، والنحيب ، حيث فجأة لم تجد سوى الهواء عالقا في أصابعها .


ماللصبيان ومالي




أنا الذي لا يثمرُ
إلا بيدين ِ
غريبتين
لِمَ اعتبروني رمزًا عربيًّا
رغم أنني عاجز .
أتنكرُ
وأغيِّرُ لوني
ومع ذلك يعرفونني .
أتساقط طواعية
حتى لا يدموا
المكابـِدَة ضدَّ قسوةِ الحياة .
ماللصبيان ومالي
لِمَ لا يتركونني
في عِليتي
سارحًا .
انسوني يا حاملي الحصى
مرة
انسوني
وأبلغوا الملحَ والصحراءَ
مني السلام .


ليس سرا

المتسلقُ
البهلوانُ
أنا
أعطني تكعيبة ً
أعطِكَ جنة الخلد
لو تركتموني أزحفُ
على الأرض
أموت .
في البدء
أحتاج مساعدتكم
بعد ذلك لا .
أدركُ أن حبكم لي
لا حدَّ له
ليس من أجل السكر
طبعا
ولا النبيذ
يا سادة
لعل السر يكمن في بدايتي .



لا مثل أعلى لي

بصمتي واضحة
في حلوق
السفلة .
مِن فصيلتي مَن طبَّعَ
وصار باردًا
هؤلاء من محبتي
طردوا
لا أرضى بشيء
لا أحبُّ أواسط الحلول
إن خلطت بغيري
لا أندمج
لا أغير طبعي
مهما حصل
أعلم كيف ومتى
أجرح
ولا مثل أعلى لي
سواي .


طبيعة

مجردُ جلد
فرغ من جوهره
و حُشِيَ
ممَّا يعجبُ الأكلة .
والكلمة المفضلة
عند تبادل الاتهامات
بين فريقين .
ولكن لِمَ
هل لأنني مهضومة
أم لأن طهوي
لا يستغرق وقتا
أم لأنني
سهلة التشكيل .







خبرات

إن هدمْتَ وحدتي
وهتكْتَ ستري
أبكيتك
وفضحتك .
تعلَّـمْ
خوضَ الأشياءِ
من دون ترك
دليل .

ماء غير شكله

ربما أبدو أهبل
لشكلي المستدير
لكنني لا أمنح لذتي
إلا لمن يشتريني
بحدسه المحض .
بسبب حجمي
أعيش عمرا
ملتصقا بالأرض
بسبب حجمي
يتعلمون فيّ
فن تقسيم الأشياء .
من يقطعني بسكين الريبة
أفلت من يده .
من لا يقطعني شرائح
لا يتلذذ .
لا تظنوا أن أخضري
مرتبط بشيء
على كل حال
أنا مجرد ماء
غير شكله .



أيد خفية



لم يبقَ من مجدي
سوى اللون
والاسم .
كنت غاية الغايات
يوما
ربما الأيدي الخفية
ترصدتني
وعملت ضد
سيد الفاكهة
كنتُ
الفتى الأرستقراطي
الذي لا يبوح بأسراره
إلا على موائد الكبار .
عشت ظانا
أن إمارتي
ستظل
غير أنه لا يثق
بالزمن
إلا عبيط .

رسالة قصيرة إلى تسي


يا ابنة المدارات الحارة
هلمي إليَّ
أنا الذي
لا يملك السلاح
أو الهرب .

حكوا لي عن قصصك الخالدة
في الدفاع عن الغابة
ضد الزنوج
والبيض
الذين يختلسون كنوزها
شيئا
فشيئا .

الأفيال لن تقدري عليها
وهي تسحب الأشجار
من شعورها
إلى المصانع
ثم تتنازل عن عاجها
طواعية للغرباء .
اسمعيني
أيتها الحلوة
لن يتركوك
وغرضك .

اسمعيني
إنك لن تصمدي هناك طويلا ،
وسوف يبيدونك
لا محالة .

اسمعيني
طوطمك الذي نشأت منه
يا تسي
هنا معذب
وملعون .

اسمعيني
تنويم الزنوج حتى الموت
في قلب أفريقيا
لم يعد مطلوبا
ولا مميزا
اسمعيني
أنت تكتبين تاريخك
في الصفحة الخطأ .

غيري موطنك يا تسي
خذي القرار
وامضي
إلى المجهول
فهم هناك
في أمس الحاجة
إلى مجهوداتك
يا تسي
هؤلاء
المهمشون
حتى النخاع
في بلاد الشرق .

يد في الهواء

أحلمُ بها تلك اليدِ
اليدِ المعلقةِ
في الهواءِ
بلا شيءٍ
اليدِ المبرمجةِ على الصدق
اليدِ التي هي شجاعة
أحلمُ بها
مع كلِّ مرافعةٍ من حاكم
تقدمُ صفعة
أو مجموعة لكماتٍ
أحلمُ بها تنزلُ في زوبعةٍ
أو تشقُّ عمقَ المحيطاتِ
وتخرجُ مثلَ غواصةِ تجسس
أو إلهِ بحر قديم .

أحلمُ بها في انتخاباتِ الرئاسةِ
تدمِّر كلَّ سرادق
وتخطِفُ كلَّ مكبرصوتٍ
و تشخبط على الشعارات
أحلم بها
تشقُّ الشاشاتِ المؤدلجة
تخطِفُ الرجالَ ذوي اللحى
تفتشُ في كروشهم
عن الزهدِ
وتعرضُ سراويلهم
في مزاد .

أحلمُ بها تلكَ اليدِ الأسطوريةِ
تحملُ ممحاة كبيرة
خلفَ كلِّ مؤرخ .

أحلمُ بها تسحبُ
الزمانَ ليكونَ مرئيًّا
في كلِّ وقتٍ
حيثُ تصبغُ
كلَّ شيء بلونِهِ الحقيقيِّ
الكذبَ بالأبيض
والصدقَ بالأسود
أحلمُ بها أخيرا
تسند المقعدين ،
ليسيروا مرة
وتلمس عيون المكفوفين ،
فيروا وطنهم
الذي صنعوا له يوتوبيا
وتلمس عيني أنا
فأعمى .

حارس شخصي للبكاء


ضد المناديل كلها ،
أحمي سيدي
بالروح والدم .
النظارة السوداء لي
والشـــحتفة عالمي الوحيد.

لا أنظر إلى الوردة ،
بل إلى الشوك
ما دامت كل وردة
لا تغادر حراسها .
لا أنظر إلى الحياة
بل إلى التراب ،
ما دمنا لا نتحول إلى فضة
ولا حديد .

في لحظة فريدة يولد البكاء ،
ومن عين خلقت لتوها ،
عين لم تكن موجودة
قبل هذه اللحظة ،
في وجه هو الآخر
غادر رحمه الآن
في جسد
كان قبل لحظة ميتا فعلا .
مرآة ما قد تكون صدئة
أو مهشمة
لكنها استوقفت كل ذاكرتك ،
وكميدان
حدث فيه اختناق مروري ،
كان عليك أن تفتح باب السيارة
وتهبط لتمضي مترجلا
كمن عرف أنه مطارد
وأنه لن يصل .

البكاء ثمرة
لها مواسم
لا تستطيع حتى لو بنيت
أكبر صوبة في العالم
أن تنتج أي قطرة منه
في غير موعده ،
مهمة مستحيلة
كجمع الذهب بواسطة
الزئبق المميت .

حين نراه
نبكي فرحا
نشعر بإنسانيتنا،
إنسانيتنا الغائبة
إلى أبعد حد ،
والتي تبدو كمذنب
لا يمر بالأفق
سوى مرة واحدة في العمر.

البكاء لا يكون موجودا
حين تطلبه ،
البكاء هو الذي يطلبك
كرجل لديه ثأر عندك ،
يظهر أمامك فجأة
كلجنة مرورية،
تفتش عن أشخاص مشتبه فيهم
قاموا للتو بإحداث تفجيرات.

بكاء اليوم
ليس نفسه بكاء أمس .
كل من البكاءين
قد انساب على الخد نفسه ،
ومن نفس العين
ولكن المنبع اللامرئي
لم يكن واحدا
والألم أيضا .

كل بكاء لا يمنحك أرصفة
بلا حدود
ولا يمزق القلب
كالسكين
ولا يهبك عاصفة
ليس ببكاء .

في بلاد
وجوه أهلها مطموسة الأعين،
أيادي أهلها
منزوعة الحنين ،
لا يمكن للبكاء أن يوجد .

كل ما عليك الآن أن تجلس
أمام مرآة شاحبة ،
وتحدق
بعينين ساهمتين
في الشيء الذي يلوح من بعيد
ولا يبين .



آخر يوم في حياة صاد

يمكن لصاد الآن أن يخرج
فقد انتهى كل شيء
من حوله
الروائح السيئة في كل ركن
العائلة محشورة
في نفق
الزمن يتشمم الجثث
ككلب بوليسي يخشى إعدامه
وعليه أن يثبت أن الخريف
الذي يعيش فيه
والهزال الذي يفتت عظامه كذبة .


صاد
الذي لم يستوطن منزلا يوما،
وعاش
من رصيف إلى آخر ،
ومن بالوعة إلى غيرها.
ومن خرابة إلى أخرى ،
هو الآن محاط بالخيبة الكاملة .

لماذا عدت لتزور العائلة يا صاد
لماذا؟
العائلة مدمنة الألفة
ذات التقاليد
الراسخة
التي تتلف الكتب
والخشب
وتسرق الطعام .

العائلة التي أحبت الحياة
في ظلام
و تفزع من النور ،
الفارَّة من كل شيء
سهلة الاصطياد
التي تكون مقابرها حيث
تعجز خطواتها
عن الفرار .

العائلة التي بعتها
من أجل نزق
عابر
قصير .

هناك حيث عشت
كنت صادا من درجة ثانية
الصادات الشقراوات
المغريات
لم يعتنين بك
وأطعمة الميكروويف
لم تكن مريحة بحال .

أرصفة لامعة فوقها مشيت
مولات خمس نجوم
اختبأت فيها
بينما لم تستطع يوما
أن تغفو في مكتبة كعادتك
في مكتبات الشرق
كنت تنام
حتى تتعب أعضاؤك
و يرقاتك تستلقي
فوق أي سطر تشاء .

هناك تأكدت
أن نملة ضئيلة
يمكن أن توقع الهزيمة بك
وأن نعاسك ليس آمنا
في وجود الأرملة السوداء
وأن الفراشات زعيمات مافيا
لسرقة الألوان .

هناك عرفت أنك إن لم تصنع مجدك
في وطنك الأم
فلا مجد لك
وعرفت أنك
وللأسف الشديد تكبر .

لم تعد إذن من أجل أحد
لا عائلة ولا مكان
لا حنين ولا ذكرى
بل من أجل نزق
آخر
غريب .

شواربك ظاهرة الآن
من ثقب
لم ينتبه إليه أحد
لتذهب إلى جوارالعائلة
ملقيا نظرة أخيرة
ولتتنهد
وأنت تضغط بكل قواك الخائرة
على بخاخ لعلبة
عليها صور لكثير منك
إنه قدرك
قدرك الذي لا مفر منه
يا صاد .

أكثر مرحا مما تظن


الديوان صدر 1998م

لاعتقادكم أننا لا نأنف
فقد قضمنا قطع البسكويت
من جهة تقابل الناحية التي قضم منها
تاركين قبلا على وشك الاكتمال
فوق قطع البسكويت
والتي تدريجيا سنزيحها ،
لتقع خارج المنضدة.





الجريمة والعقاب



لم يكن لائقا
بالذي خطب حبيبتي
نيابة عني لنفسه،
أن يقبلها أمام نافذتي
ويستبدل نشارة الخشب في امتداد الشارع
برسائل تحمل توقيعي،
ويسحقها بخطى لا تعرف الرحمة
دون أن ينزع البسملة
أحد من معاونيه.
مع استخدام تنويم مغناطيسي لذكرياتها
وصبغ عينيها بفصام إيجابي
فلا تنتبه إلى كينونة الظل
الذي ترنح لساعتين
زاعما أنه
يرقص.

ودخن ارتجالا
ما يزيد عن مائة سيجارة
ناسية أنه قبلها ذات يوم
على السلم
وتسبب في صدور فرمان
يمنعها من استعمال الهاتف
وكان له الفضل في أن تستقل القطار
(أول مرة في تاريخها )
فشاهدت فئة
لم تستطع السينما أن تعكسها بوضوح.


ويكفي أنني أخبرتها
أن سائق القطار ليس له أي دور
وأن عامل البلوك
له الدور المؤثر والحقيقي
وإن لم يبد ذلك من أول وهلة.



العادي والملون


لأجل التدلل
انتحرت قفزا
من الطابق الرابع والعشرين
ولم أمت
لأن روحي تشبثت في مستقبلات الهواء ,
كابتداع لاستمناء حضاري ,
ورغبة في صياغة موفقة
لرسالة الانتحار.

ولأجل أن تستلقي أنوثتك
في طبق من ذهب
مثقوب
بحيث تتسرب منه روحك
وبتركيز زوم قوية
يتهيأ للعالم أن يحزن
لصورة جسدك الميت
مثل القوتليين من نفس السن
يسيرون بضجيج يجرح براءة الأشجار
وفتيات البادي والجينز
دون سترة.


بصحبة فأرة مضاءة العينين
تصحبني
كمرشد ذي ثقافة غزيرة
بدليل عدم استخدام الروج
وتختفي
حين تشتعل الشموع مضيئة الردهات .
الظلام الحالك قد لا يثير القشعريرة
بقدر ما يفجر اللذة
والموسيقى التي تحيل الجسد إلى هستريا
وتغرق الروح في مستنقع التشنج
أليست هي الحل ؟

ومهيبا يبدو البارون من بعيد
ومظلما
للذين لم يدخلوا في معية الشيطان
البارونيون أناس طيبون جدا
يصعدون بآمالهم
فوق سلم متعثر من الموسيقى
- لكي يسقط الواقع -
ولكي لا يضلوا في الوصول إلى ذواتهم
بسبب إغلاق الطرق
بحجة رصفها
يباركون الجسد بالوشم .

مجرد تخرجك من معه التمريض
يثير الشبهة ضد كل ما هو جميل
وذي أصالة في روحك
ويضفي عليك بدلا من ميس
لقب زجزاج .


تتفقين معي على المستقبل
فنضع خططا تسير في اتجاه واحد
ولا تعود بنا .
سنفوز في مسابقة تليفزيونية بمبلغ ضخم
وباعتراضي لتشريفة الرئيس
بملامحي المليئة بالانكسار
سيمنحني مسكنا
ولن يبقى سوي عام أو عامين
لنصل إلى سن الزواج القانونية .

الكراهية أخف حملا على القلب
من غيرها
وأكثر التصاقا بنا - نحن الانعزاليين -
فهي لا تكلفك حين تحتضن صديقا
أن تحتمل عبء العناق
للحظة تالية
ولا تشبعك بأوهام منبعها المكان
وما يضيفه من تأثير
لنقع في شرك حميميته .

الكراهية أنفع من الملاتونين
فهي لا تسمح للبشرة
بأن تغيب عنها نضارتها
وتعطي لكل عضو ما يمكّنه من ديمومة شبابه
تستطيع الرئة أن تتنفس دون خوف
فالموت مجهول يختفي تماما
مع الكراهية.


رجل بعد زلزال 1992
خرج من تحت الأنقاض
تحت ضوء وظل واضحين
وكان بطبيعته لا يرى
سوى أحذية الذين يمرون
لأنه صار أحدب
وقتها ود لو تشفى قامته
ليرى تقاطع السماء مع الأرض
على امتداد مقنع






كان ذلك من أربعة عشر عاما
حين سقط أخي من فوق السطح
وحمله الذي استيقظ مذعورا
بملابسه الداخلية
وكان هو أبي ذاهبا إلى المستشفى
هنالك رأيت أشرف ممتنعا عن تناول الدم
هربت شرايينه الصغيرة حين لمسته
يد ترتدي الأبيض
ومات راضيا عن نفسه
وفي بطولة غير مفهومة لي
آنذاك.


الرجل الذي له ذراع واحدة فقط
تنتهي بخمس أصابع كاملة


في مكان مناسب من جسدي
يعلق الآخرون آمالهم
أكتئب
لأني في هذا المكان
كنت أنوي تعليق شيء آخر.



"إلهام"
سوف أتدرب على الندم ,
لأحرر رمية ثلاثية في اللحظة الأخيرة
سيتخلق من بين أصابعي
متخصص في الجينات الوراثية
وسيهبط معه زيجوت لـ " ماجيك جونسون "
وفي صالة مغطاة ,
سيقوم العالم بإنشاء مختبر صغير
فيه يستنسخ فريقا كاملا يشبه ماجيك.
وقتها سأقيم ( NBA) على شرفك
أيتها الملكة
وأضغط فوق جسدك
حتى يتحول إلى باسكت متين
يتعذب
بمئات الرميات في اللحظة الأخيرة .


الرقص : لقد طردت اليوم
من فريق الرقص بالكلية
بعد أن تحطم ديكور المشهد كاملا
فوق صراخي,
وكسرت ساق الباليرينا الأولى,
لمجرد أنني أخذت خطوة زائدة
- بعد أن مللت
أنا لم أكن أرقص ,
كنت أقف لأتمم الخلفية ,
وأتحرك ثابتا على الموسيقى
كبندول مقلوب .
إن طردي لا يمثل لي مشكلة ,
أنا لا أحب الرقص
فقط أشارت عليّ إلهام بذلك.

غرائبية سيري
وما يصاحبها من دعابات
مما يدفع الأصدقاء
لإقامة حفلات خاصة للتهكم
أمتلك رقبة طويلة نسبيا
وحنجرة بارزة (لا أحب لقبها الشائع)
وإصابتي في الثامنة
بانسكاب مواد حارقة فوق ركبتي
قد خفضت درجة ليونة الجلد
وجعلت انثناء قدمي أمرا صعبا .
أذكر أن أبي لم يحضر أمنية لأمي أثناء حملها
كانت شراء مانيكان .
أسير بتدعيم معنوي من ميدالية
أظن أنها قد تخطف الأنظار بعيدا .
غير أن الحقيقة
أن كل خطوة أضعها فوق هذا العالم
هي محط للسخرية
وتقوّل للكثيرين .

ليس عليك أن تتشاجر معي,
عليك أن تكون صديقي
لأن نسبة الأنسولين التي تحقن جسدينا متساوية
والأطعمة المسلوقة كعضو خال من الخصوبة
نتناولها من إناء واحد .
نحن الاثنان نعاني من قرحة القدم ,
وسيتم لنا عملية بتر
مشتركة ,
ولأننا لن نبتر نفس الساق ,
فسنكون بحاجة ماسة
لأن نستند إلى حائط الصداقة
وتلتقط لنا صورة بؤرتها هذا المستطيل
المؤسس بين قدمينا الباقيتين
أبي
كن إيجابيا معي ولو لمرة .


الخجل أيضا
كان يدفعني لارتداء معطف طويل
في ممرات الكلية
القفازات وقاية شكلية لتينيا الأصابع
والفتاة التي لها خبرة امرأة
ستقص الهواء أسفل فخذيها
وتحدثني عن وقت يعتقد في الوحدانية
متظاهرة ببراءة الدافع
ابتل حذائي أيتها الوحدانية
وابتل السيراميك المزيف .

القشرة الدائرية التي تكونت أثناء ختاني
فتتتها
بأظافري,
وبصقت بنوع من الاعتراض على الدم
ومقاوما ألمي
بحثت كميكروسكوب حزين
عن القطعة التي سلبت
وقذفت في أحد الأركان
وددت لو أجدها
وألصقها مرة أخرى
لكن قطرات الدم أغرقت جسدي
وتجلطت عليه .

ربما لهذا أجد أطباقا بعددهم
ولا أجد طبقا مخصصا لي
وأجدهم قد قصوا المنضدة
بحيث تستوعبهم فقط .
بعد أن أكرر التحية ,
ينظرون إليّ بملل فأفكر في الخروج
- حتى لا أفسد مناقشتهم السرية .
لكنني أتوجه إلى المطبخ
وأنظر إلى صورتي الموازية لسلة المهملات
وآكل بنهم لا يناسب الموقف .











أخي لا تتعمد نسيان نقودك
بعد الآن فوق منضدتي
ولا تترك طقما من ملابسك
خارج الدولاب
كلما شعرت أنني بصدد لقاء عاطفي .
لقد قررت أن أخرج اليوم
بلا حافظة وملابس
وأقابل حبيبتي عاريا
بين النافورة والساعة المشيدة
كإنجاز للمحافظة .
سأكون مستعدا لانسحابها
بدعوى أنني مختل
وسأدخل لأستحم أمام العابرين
بقدر الإمكان سأزيل أثر كلماتها
عن ذوقي في اختيار ملابسي
وكرمي الزائد .

لا أنام مع أخي في سرير واحد
فالسرير يقل عن جسدي عشرة سنتيمترات
فأضطر للنوم فوقه بالورب
ومن ثم لا يتم استيعاب أي جسد إضافي.
رأسي في زاوية ,
وقدمي في زاوية
والأحلام تأخذ مسارها الطبيعي عادةً
بالتعامد على منتصف الوسادة
لذا فهي تتتابع دائما
خارج امتدادات رأسي
ومن ثم لا أشاهدها.
كم أتوق في لحظات غريبة
لأي كابوس
يطبق على صدري حتى الموت .

أنا لا أشبه "عبد الحليم حافظ "
ولم يرصد ترمومتر حياتي
قبلة واحدة خارجة.
عن نطاق التخيل.
وكل ما هنالك تعانق أصابع
مع فتاة مراهقة
أحبتني لتختبر آراء العلماء
حول تلقائية العاطفة في مثل هذه السن.
لقد كانت "مروى" مفصلا سرديا في حياتي
جعلني أشاهد الأفلام الرومانتيكية بشغف
وأتوهم أن الجماهير
يمكن أن تتقبلني في أدوار البطولة.
آه
سبعة أشهر
لم أنظر نظرة احتقار واحدة
خلالها لنفسي.



جرينتش لقد واتتك الجرأة
لتصنع عالمين فوق أرض واحدة
ومن ثم حاولوا أن يهمشوا دورك
سأزورك
لأنك أكثر تحديدا من الوهم
وأضع عند يمينك
الأهرامات
وبرج القاهرة
وخلايا رأسي التي تحولت إلى إسفنج
التقط لي صورة وأنا أقفز إلى العالم الآخر.

على أنه لم تكن صدفة
أن يرصفوا الطرق التي سرت فيها
مغيرين أسماءها,
ويستبدلوا واجهات المحال بأخرى
حتى لا أجد مثيرا خارجيا للتذكر
لدرجة أنهم تخلصوا من جسر
كلفهم ستة أشهر من العمل
لمجرد أنه يثير معنى خاصا لي,
واغتالوا بدعوى الانضباط
ضابط شرطة
أنقذنا من حادث سطو واغتصاب مؤكدين
ومنحنا نصف دقيقة إضافية
لتجول متسع
على أرض الحب.



لقد كنت أحب
لدرجة أن جسدي تضخم
من الثقة بالنفس
فاضطررت بعد أسبوع واحد
لشراء ملابس
جديدة وأحذية بمقاسات أكبر
مقاسات أكبر في الأسرّة والمقاعد والغرف
مقاسات أكبر في الشوارع
والمصاعد
ووسائل المواصلات
ماسات أكبر في المدن والخرائط والمجرات.
وبعد أن فشلت
لم تستطع قدمي أن ترفع الحذاء الثقيل
أو أفتح بمفردي الباب الضخم
الذي أقاموه لي
لقد نكصت متضائلا
في أقل من دقيقة على سماع الخبر
وبدؤوا يفصلون لي ملابس
من القصاصات الملقاة في زوايا
الغرف.




توجيه الإيريال يدويًا
أفضل من توجيهه حضاريا بالموتور
يمكنك في ليلة شديدة الشفافية
أن تشاهد الصور متتابعة بين السماء والأرض
وتوهّم جمهور
من ملائكة مراهقين اصطفوا للإثارة
وبمد يدك للمس إحدى الريشات
قد تلمس جزءًا
شديد الخصوصية
في جسد امرأة
احذر جيدا في انتخاب تلك الريشة
فهناك أعضاء ذكورة أيضًا
تسقط من الجو.


ميزة القنوط


عندما يكون لك قلب بشرايين معكوسة
فإن أطرافك ستبدو زرقاء
والأكسجين نادرا ما سيزور مخك
سوف تفكر في الطب
مفضلا الأدوية على الجراحة
وكم هو مؤلم
أن يتعامل الشخص مع قلبه
بواسطة قسطرة .



الخطورة حدثت
حين عبرت من أمام سريرك
فلم تجده
ووجدت بدلا منه
سريرا لا يتسع لطفل
كان على جسدك الذي يكبره عدة مرات
أن يحاول أن يستلقي على أي وجه
واكتشفت أنه لا يستوعب أكثر من رأسك
والرقبة وأعلى الرأس
هناك نظرت في تقويم الحائط
فوجدته قبل عشرة أعوام
وكان عليك أن تربط ذلك
بسرقة الساعة البيولوجية
من رأسك حين ولدت
بإصابة واضحة في قاع الجمجمة
وأن تفطن إلى السر الكبير في حياتك
والذي لن تصرح به لأحد .

ولتعرف أن مسقط رأسك
هو مئة ألف متر بعدا عن القاهرة
وأن أخاك ابن الثلاث سنوات
سقط من أعلى
وبعد أسبوعين من الجلسات الكهربائية
تحطم نخاعه الشوكي
فبات يستخرج أظافره
مفرغا فيها بعض ألمه
فاضطررتم لمعالجة أصابعه بالقماش .
وتظل لك أحلام تراودك في كل حين
ويجدك ماصو الدماء فريسة سهلة
فيقتحمون عليك الحلم
من كل جانب
فإذا ما قفزت من السندرة
وانسللت في ردهة إلى الخارج
باغتوك بظهورهم
فتصعد حتى آخر طابق
فلا تجده محاطا بسور
تذكر أن أخاك سقط من هنا
وأن أحدا دفعك لترتطم به
ليسقط
ولا يدري أحد أنك وأنت ابن أحد عشر عاما
صرت قاتلا .




وملوثة لغتي بدبلوماسية
هي النفاق بعينه
وأسعى بالنميمة بين صديقي وفتاته
إذ هما منفصلان
أذكرها بقبلة
له في شارع انقطعت عنه الكهرباء
وبإصبعه التي كاشفت عورتها
في رحلة الجامعة
موهما إياها بأشياء لم تحدث
سينمائية في معظمها
وأن عليها أن تهرب إلى بلد آخر .



وسأبتني لك مدينة عمرانية جديدة
لا يقطنها سوانا
ولا ينجب فيها سوى طفلين
كل منها يكون ذا رأي في قومه
ومرتبا لهما بالوراثة
للحصول على منصب رئاسة الجمهورية
ولن أنجب بناتا
فالبنات دون العشرين
يعشقن حتى الثمالة
ويخرجن فاقدات الشرف .


لا أشتط في الحلم
فماذا بعد تراكم العمر وازدياد المكتسبات
وماذا بعد أن يخترق الإنسان
القرن الحادي والعشرون
ويتركه مضرجا بدمائه
في ساحة اكتظت بالشهود
وملتفا بنفس الغلالة التي كان يلوح بها للزمن
مستثيرا إياه بالتقدم
ومتكئا شعوريا على حراب مسممة .

من كيس معقم
تم استخراج تمثال مصنوع من الحلوى
وإقامته في أحد الميادين
وبعد انتهاء البث المباشر
واختفاء عربة التليفزيون الصغيرة
هاجم الناس التمثال هجوما شديدا
ومضى كل منهم بجزء منه .
Powered By Blogger

ديوان طائر مصاب بإنفلونزا

أصــعــد الـــــدرج


مُنذ كـَمْ
وأنا أصعَدُ الدَّرَجْ.
أحصِي سلالِمَ،
وأصْعَدُ الدَّرَجْ.
أسنِدُ على كلِّ سُلـَّمَةٍ رئتيَّ،
أمسحُ بخِرقةٍ باليةٍ روحِي.
أجراسٌ،
و كوالينُ في بَيَاتِهَا الشتويِّ،
و أنا
أصعَدُ
الدَّرَجْ.
أصوَاتٌ تربِّتُ على خيالاتٍ،
ألتفِتُ ولا أحدَ،
وأنا أصعدُ
الدَّرَجْ .

رأيْتُ اغتيالاتٍ لشموس ٍ،
وأقواسَ قزحَ ،
تسقـُط ُ كقطرةِ عرق ٍ،
على جبين فراشةٍ ميِّتةٍ،
و أنا
أصعدُ
الدَّرَجْ .

عَرَفـْتُ اسْمِي
وأنا أصعدُ الدَّرَجْ .
نَسِيتُ اسْمِي
وأنا أصعدُ الدَّرَجْ .

مزقـْتُ حَدَائِقَ عُمْري
حين رأيتُ رُوحًا لي
لا تكلمني
فِي مَسَاءِ الدََّرََجْ .
قفزْتُ وغنيتُ عاطفية ً
حينَ تجلـَّتْ لي شفتان ِ
في غرَام ِالدَّرَجْ .

عند سلمة ٍ غادرْتُ سِيَاطَ أمٍّ،
في سلمةٍ أخرى
دفنتُ دُعاباتِ أب ٍ،
وظللتُ أولولُ في خِضمِّ الدَّرَجْ.

عَشرُ سَلالِمَ
بِعَشرةِ رفاق ٍ
و أنا
أشهَقُ
الدَّرَجْ.



كمَنْ نامَ على يدِهِ وخزٌ.
كمَنْ في فمِهِ مصَّاصة ٌ أبدِيَّة ٌ مِنَ الألم ِ.
كمَنْ يتلقـَّى نيزكـًا في وجهِهِ.
كمَنْ يدُهُ مَرْبُوطة ٌفِي هاويةٍ.
كمَنْ يَخِيطونَ قلبَهُ على ضحِكٍ ليسَ مُمْـكِنـًا.
كمَنْ تذكرَ مِظلَّـتـَهُ المَنسِيَّة َ بَعْدَ أنْ قفز.
كمَنْ صَارَحَتـْهُ صَاعِقة ٌ بمَوَدَّتِهَا.
كمَنْ أطلقوا عَلى سَهْوِهِ رَصَاصَة ً.
كمَنْ يَعْترفُ لهُ بُرْكانٌ بِقسْوَتِهِ.
كمَنْ يَنشُرُونَ صَمْتـَهُ أمَامَ عَيْـنيْهِ.
كمَنْ أجْبَرَتهُ بَعُوضة ٌ عَلى حَرْق ِ جلدِهِ.
كمَنْ يُريدُ سَحْبَ هُويَّتهِ مِنْ تحْتِ فِيل ٍمُتسَلِّطٍ.
كمَنْ يزحَفُ عَلى بَطنِهِ مِنْ أوَّل ِالمَجَرَّةِ إلى
آخرها.
كمَنْ دَاسَ عَلى لغم ٍ وَأدْرَكْ.










طولَ العُمْرِ نحَذرُ
مِنْ نِدَاءَاتٍ تتسَرَّبُ مِنْ تحْتِ جلدِنـَا،
مِنْ أنْ نكونَ مَشاجبَ لِصِبْيةِ الزوَايَا،
مِنَ المُرُورِ عَلى المَقابرِ ليلا،
حَتى لا نرَى بَشرًا بِأرجُلِ دَوَابٍّ،
مِنْ عُبُورِ رَدْهَةٍ
دُونَ التفاتيْن ِ.

مِنْ حِبال ِ الغسِيل ِ المُعَلَّقِ
عَلى شرفةِ مَجَرَّةٍ ضائِعَةٍ،
ذلكَ الغسِيلُ الذِي كلُّ قِطعِهِ طارَتْ إلى كوكبٍ:
ذهَبَتْ مَلابسُ فرُوسِيِّةِ جَدِّي إلى بُلوتو،
حَيْثُ سَتعِيشُ فترَة َ تجَمُّدٍ طويل ٍ،
بَيْـنمَا قمْصَانُ نوم ِجَدَّتِي ـ والتِي مَا رَآهَا
حَتى جَدِّي انضمَّتْ إلى حَلقاتِ زحَلَ،
فِي دِرَاسَةٍ لِتأمُّل ِ اصْطِدَام ٍ هَائِل ٍ،
أمَّا مَنادِيلِي فقدْ عَلِقَتْ بِأسْطح ٍعَاكِسَةٍ
لِقمَرٍ اصْطِنـَاعِيٍّ،
فتسَرَّبَ خبَرٌ أنَّ حَرْبَ كوَاكِبَ جدِيدَة ً سَتبْدَأ،
وَقدْ طارَ إلى الكوكبِ الأزرق ِِ سِروَالِي المُبَقعُ
حَيْث تلقفهُ طريدٌ عَلى جَبَل ِ بَاردٍ،
وَصَنعَ مِنهُ وَسَادَة ً
قبلَ طعنِهِ بِلحَظاتٍ،
ثمَّ صَارَ صَاحِب ُالسِّرْوَال ِ مطلوبًا،
مِنْ حِبَالِ الغسيل ِ المُعَلَّق ِ ـ وأنا أصعدُ الدَّرَجَ ـ أناشِدُكمْ
ردُّوا عليَّ سِرْوَالي.












أصعدُ بي
أمْ أصعدُ بلا شيءٍ
أمْ أنَّ درجًا يصعدُ بي
أمْ أنَّ لا شيءَ يصعدُ بلا شيءٍ
أمْ أنني لا أصعدُ
أمْ أنهُ لا درجْ.




وقالَ لِيَ الدَّرَجُ:
" لِمَ دَخلتَ أصْلا "
قالَ لِي:
" الخارجُ والدَّاخِلُ سَوَاءٌ "
قالَ لِي:
"مَعْنى أنْ تضغط َ الجَرَسَ أنكَ غريبٌ "
قالَ لِي:
" لا تظنِّ السَّطحَ خاتِمَة ً "
قالَ لِي:
"عِندَ كلِّ طابق ٍ مَهْزلـة ٌ "
قالَ لِي:
"مَنْ ليْسَ مَعَهُ مِفتاحٌ أبْلهُ "
قالَ لِي:
" فقدَ ذاتـَهُ مَنْ بدَّ لَ مَفاتِيحَهُ "






قالَ لِي:
" أخرَقُ مَنْ ظنَّ أنَّ لدَيْهِ مِفتاحًا"
قالَ لِي:
" ليْسَ كلُّ بَابٍ تدْخلُهُ "
قالَ لِي:
" كلُّ مِفتاح ٍ سُلطة ٌ "
قالَ لِي:
" كلُّ المفاتيح ِ تتبدَّ لُ "
قالَ لِي:
" لسْتَ آمِنـًا يَا مَنْ وقفتَ عَلى الدَّرَج
قالَ لِي:
"لا تتردَّدْ في اقتِحَام ِ أيِّ بَابٍ "


قلْ للذينَ صَعَدُوا:
تحْتَ أيِّ شجَرٍ سَوْفَ تنبتونَ
فِي أيِّ قمَرٍ سَوْفَ تختبئونَ
عِندَ أيِّ نهرٍ سَتخرُجُونَ مِنَ الوَرْدِ
وَ تتناكفونَ.
قلْ لهُمْ: سَلالِمُ نِهَائيَّة ٌ أمْ لا نِهَائيَّة ٌ
والدَّرَجُ كالجَحِيم.
قلْ لهُمْ : مَاذا سَنفعَلُ لوْ وَجَدنا حُبـًّا حَقِيقِيـًّا
سَيَستمِرُّ مَعَنا فقطْ مَسَافة َ دَرَج ٍ
نحِبُّ أمْ لا نحِبُّ
لوْ رَأيْنا زهْرَة ً مُشتهَاة ً تِلكَ التِي لِلخيَال
و للروح ِ
تِلكَ التِي لِلجَسَدِ وَالمُسَامَرَةِ
لوْ رَأيْناهَا ترُوحُ إلى زمَن ٍ مُتـَحَنـِّط ٍ
نتحمَّمُ بالعِطرِ حِينئِذٍ
أمْ نهِيلُ البُكاءَ عَلى الرَّيَاحِين ِ

قلْ لهُمْ :
لا تجيئونا في المَنامَاتِ،
في غُلالاتِ نورٍ،
تهْمِسُونَ بأحْلامِنـَا،
وتنادُوننا كي نجَالِسَكمْ فِي سَحَابَةٍ،
تـأخذوننا،
فنخطو عَلى مَاءٍ،
ونرقى دُونمَا جَناحَيْن ِ فِي هَوَاءٍ،
ثمَّ نعَانِقكمْ،
فلا تكونونَ إلا أثرًا مُضمَرًا فِي بَنـَان ٍ.
قلْ لهُمْ :
قابلونا
فِي الأمَاكِن ِ نفسِهَا.
بالأزاهِيرِ نفسِهَا.
في المَوَاقِيتِ نفسِهَا.
بالسَّعَادَةِ نفسِهَا.
فنحْنُ نرقبُكمْ مِـنْ بَعِيدٍ


لِتـَمْسِكونا،
و تطيِّرُونا حَتى سُقوفِ البنايَاتِ،
و تدوِّرُونا حَولَ أجْسَامِكمْ حَتى ترجُفَ السَّمَاوَاتُ، ولِيعنـِّفُونا
إذا ما تأخَّرنا فِي اللعِبِ حَتى العِشاءْ،
وليضربُونا ـ حِينَ نترُكُ الشمْسَ فِي فـُرُشِنـَا
والبُكاءْ.
ولِيحْبِسُونا فِي غُرَفٍ خالِيَاتٍ.
النـُّجُــــومُ
انكـَــدَرَتْ
وَأنـَـــــــا
أصْــــعَـدُ
الـــــدَّرَج َ.
والسَّمَـــاءُ
كشـِـــطـتْ
ومـَـا كـُشِـط َ الــــــدَّرَجْ.

لم يكونُ غـدٌ بـِلا ساقـيْنْ
لِمَ كانَ ماض ٍ بـِلا ذراعيْنْ
ولِمَ الآنَ حاضرٌ مِنْ دون ِ عينيْنْ
والزمنُ الذي هو كمُهْرٍ بـِجناحيْنْ
ويقطعُ المجرة َ في خفقتيـْنْ
أيْــنْ.

أوقفوا إذنْ البُكاءَ حِينَ يَسِيلُ مِنَ القلب ِ,
أوقفوا الحِكمَة َالطافِحَة َ,
كبـِركةٍ تحتَ لِحَى الكِبَار,
تعَامَلوا مَعَ الأقنِعَةِ بـِوصْفِهَا وُجُوهـًا
كمَا تعَامَلتـُمْ مَعَ الوُجُوهِ بـِوصْفِهَا أقنِعَة ً,
اجْعَلوا المـُدْيَة َالتِي تجْرَحُ تـُدَاوي,
لا تسْمَحُوا للوَدَاع بأنْ يُفجِّرَ نفسَهُ فِي مَيَادِين ِالسَّهْو
صَادِرُوا الليلَ المُجَفـَّفَ فِي مَطابخ ِ الذاكِرَةِ بصَلاحِيَّةٍ تالِفةٍ,
أجْرُوا عَمَليَّة َ تجْمِيل ٍ للمَجَرَّةِ نفسِهَا
حَتى تبْدُوَ أكثرَ إغرَاءً
وَأقلَّ سَوَادًا



سَأفتحُ الأبْوَابَ يَا دَرَجُ.
سَأركلُ بَابَ الفصُولِ،
وَ أفسَخُهُ،
يَا دَرَجُ.



إنِّي أريدُ أنْ أفتضَّ غابتيْنْ
وأرتجلُ زهرتيْنْ
ثم أستحمُّ منَ الشمس ِ بجرحيْنْ
وأغنِّي وداعيْنْ
ثمَّ أبعثِرُ كالفقاقيع ِ ليلا كشجرتيْنْ
سأنفضُ صفرةَ أوراقـِهِ الأبدية َ
لِيسقط ََ في الوحْل ِ
مرتيْنْ.







بَابَ الأبَدِيَّة ِ،
فاتِحًا صَدْري عَلى المَجَرَّة ِ،
كَحَارس ٍ شخصِيٍّ.
سَأصْطادُهَا،
وَأودِعُ سِرَّهَا فِنجَانَ لذةٍ،
وَأهَيِّئُ مُتـَّكئِي،
ثمَّ أرتشفُهَا كامِلة ً,
ثمَّ أطرُدُهَا كاسِرًا حَقـْوَهـَا،
وَسَأقعَى عِندَ قدَمَيَّ صَنِم ِ الزوَال ِ
راجيـًا
أنْ يطهـِرَنِي يا دَرَجْ.
وَسَوْفَ أسُـبُّـكَ يا دَرَج ُ
أمْسِكُ بـِخِنـَاقـِكَ،
وأسْحَبـُكَ عَلي وَجْهِ أمِّـكَ يا دَرَج ُ،
هَا هِي سَلا لِمُك َالعَدَمِيَّة ُ,
ودَرَابْزيناتكَ الزئبَقِيـَّة ُ
رَهَائِنُ،
فِانهَضْ يَا بْنَ الأبِ المَجْهُول ِ،
وتشاجَرْ مَعِي
أنا الثوْرُ الهَائِجُ المَطعُونُ بالنظرةِ،
وشهقاتِ الجَمَاهِيرِ مَعَ كلِّ سَهْم ٍٍ،
أودِعْ سَهْمَكَ المُتمِّمَ فِي قلبِي،
وأرحني لِترتاحَ يا دَرَجْ.
وسأغني:
"أنا مقيدٌ ويدايَ سائبتانْ,
أنا محتجَزٌ في سجون ٍ غريبةٍ,
أنا لسْتُ في داخلِهَا,
هي ليسَتْ في داخلي,
لكننا
ـ أنا وسجوني ـ شيئان ِ مبهمانْ"
الدَّرَجُ يَصْعَدُ ولا يُصْعَدُ,
الدَّرَجُ يعرفُ كيفَ يُدْ نِي حبيبيْن ِ فيتطامنان ِ,
و كيفَ يَنهَضُ فجْأة ًكالسَّدِيم ِ فيتلاعنان ِ,
الدَّرَجُ يعرفُ أنَّ الوُجُوهَ بعيونِهَا العَمِيقةِ الغامِضةِ
لمْ تكنْ سِوَى دََرَج ٍ,
أنَّ الأنامِلَ بـِوَدَاعَاتِهَا المُفاجئةِ السَّاهِمَةِ,
لمْ تكنْ سِوَى دَرَج ٍ,
أنَّ الهَدَايا دَرَجٌ،
والخِيَاناتِ دَرَجٌ,
والمَوْتَ بَابٌ يـَفتحُ عَلي حَائِط ٍ،
وأجْرَاس ٍ مُتعَطِّلاتٍ,
ومَزيدٍ مِنْ خَرَس ِ الدَّرَجْ.

وقالَ الدَّرَجُ:
" اِسْألوني أسُـؤْكُمْ
وَاصْعَدُوا فيَّ
ولا تكلمُونْ"


وقالَ الدَّرَجُ:
" اِصْعَدْنِي مُبَالـِيَا،
أولا مُبَاليَا.
فأنا الدَّرَجُ
ليسَ لي قلبٌ كاليَمَامْ
وليسَ لي نبض كالغَمَامْ
لأنه ليسَ لِي
لأنه لمْ يُوجَدْ لِي قلبٌ
اِصْعَدْنِي دَارعًا ومتحدِّ يَا.
فأنا أجْرَحُ مِنْ حَيْثُ لا أُجْرَحُ،
أصِلُ بالجرح ِ للقلبِ،
وأصلُ بالقلبِ للجرح ِ،
فاصْعَدْ نِي
مُتوَاريَا
يَا عَاريَا
مِنَ الأجوبَة ".

وقالَ الدَّرَجُ:
أنا
المتكرِّرُ
المديدُ
البعيدُ
الخانقُ
المتناقضُ
الناطوحُ
المصقولُ بلا وجهٍ
ذو الظلال والأفنية
وأنتم الحريريونَ
المتلاشونَ
المطعونونَ
المهمَلونَ
المنبوذونَ
الملمعونَ للأحذيةِ
اللابسونَ للأقنعةِ
والرابطونَ للأربطة.






روحُ البناياتِ أنا
تأمَّـلوني،
ولا تصعدوا ثانية ً في المصاعد ِ،
هاأنتمْ أولاءِ توصدونَ البوحَ على لغتي،
وتتسامرونَ وحدَكمْ،
وترجمونَ قِططي التي في الليل ِ والنهارِ،
ها أنتمْ أولاءِ تلقونَ سلالَ قبحَكمْ
عندَ صباحاتي،
وتتركونني شحاذ ا يحدِّقُ في الصمتِ والأفنيةِ.
ها أنتمْ أنكرتـُمْ آلائِي
وكنتـُمْ أولَ الأمرِ زحفـًا
تصعدونَ.





أسيـِّرُكمْ خفيفِينَ أوْ متدلـلِينَ،
أوقظ ُ عندَ كلِّ سلمةٍ زهرة ً،
فتنحنونَ و تمسكونـَهَا،
وحينَ تفتحونَ قـبْـوَ نشوتِكُمْ لا تجدونها،
وعلى سلمةٍ أخرى غيرُهَا،
وأمامَ كلِّ جرس ٍ أمثالُهَا،
فتنحنونَ
وتصعدونَ
وتنحنونَ،
وتـَقـْطِفُونَ
وتـُقـْطـَفُونَ،
وأنا صانعُ الوردِ
وقاطفُهُ لوْ كنتمْ تبصرون.


حرِّمَ عليكمُ الليلُ لأنَّ الظلامَ لي.
والأزهارُ لأنَّ الأشواكَ لي.
والحبيباتُ
لأنَّ
الدموعَ
لي .

أجرعُ الليلَ كـلَّـهُ
أجرعُ الصبرَ كـلـهُ
أجرعُ الخمرَ كـلـهَا
عساني
أنسى
أنكم
تصافحونني
دومًا
بالنعـــــالْ.

الطائف نوفمبر2004




فــاصل سأخلد










1 ـ أمام صورة مفزعة



لا جـــلـيـــدَ.
لا حـــــــرَّ.
لا ذاكـــرة َ تنـــزفُ.
لا خيانة َ ترفلُ في قناعِهِا.
لا يــــأسَ.
لا ضمورَ في عضلةِ الحنان ِ.
( وكانتْ شمسٌ تسطعُ بلا قسوةٍ،
ونهرٌ يتدفقُ بلا شوائبَ،
وأفاع ٍ بلا سمٍّ )
ثمَّ سُئِلـنا:
أليسَ ذلكَ ما تريدونَ مثيلَـَهُ في كوكبكم؟
لمْ نقلْ: بَلـَى
لمْ نقلْ: نعمْ
كنـَّا على حدِّ سيفٍ بينَ مطلق ٍ ونسبيٍّ.
2 ـ عــبـــروا

في الصباح ِ:
أخرجَ مِنْ يدِهِ فراشة ً،
وتحولتْ شفتاهُ إلى جسرٍ،
وعيناهُ إلى جناح ٍ،
عَبَرُوا إليه، وقالوا: اِفعلها ثانية ً
فأخرجَ لهمْ مِنْ أصابعَ مفتوحةٍ،
آلافَ الفراشاتِ،
وغنـَّى.
في المساءِ عادوا
بقوس ِ قزحَ،
وريش ٍ،
وساعدَيْنِ،
ونـَصل ٍ،
ولمْ يَنسَوْا ـ وهمْ يلوذونَ بالفرارِـ
أنْ يقطعوا الجسْرْ.
3 ـ الهـــــــواء


الهواءُ الذي دخلني غادرني،
واستقرَّ بعدَ زمن ٍ،
في رئةِ عدوِّي.
الهواءُ
داخَ كثيرًا
حتى اهتدى ثانية ً،
وامتدحَ رئتيَّ الصغيرتينِ ِ،
والتهابَ الجيوبْ.

الهواءُ كعاصفةٍ بين عدوَّيْنْ،
والهواءُ كدُخان ٍ بينَ جداريْنْ،
والهواءُ كنسيم ٍ بلا " بَيْنَ"




الهواءُ طارَ وغاد رني
واختفى.
والهواءُ جاءَ يتأملني وانكفأ.
ثمَّ غابَ ...






تألمَ الهواءُ في شهقتين ِ هناكَ،
وتألمَ الهواءُ في رجفتين ِ هنا،
ثم تمدَّدَ خاليًا من الهمِّ،
يلتقطُ أنفاسَهُ،
أخيرًا
الهواء.
4 ـ زهرة الأعالي

قال لي المرقد المائي : ابتلال الروح أشد

تزرعُ الحنانَ بلا ساعدين ِ،
لا لحية ٌ،
ولا كراهية ٌ ممضوغة ٌ.
الذين اقتسموا القلبَ ألَّهْـتـَهُمْ،
والذين ردُّوا عليكَ المحبة َ
بعدَ أنْ استهلكوها
ابتسمْتَ.
علبُ هدايَا بأربطةٍ أنيقةٍ، في منازلَ
ما فكَّرُوا في فتحِهَا،
لِيعلموا كم هُمْ قريبونَ.
ومع ذلكَ توقظ ُ في نوافذِهِمْ
أزهارًا وفراشاتٍ.
مضى الوقتُ الذي فيه زهورٌ بلا خناجرَ
تدبَّرْ ما تمَّ
حينَ فكرْتَ بِزهرةِ الأعالي التي فتنتكَ.







5 سأخلد




قال لي المرقد المائي : لا تغلق بابا قصدته الريح
سأخلدُ بكلِّ كلمةٍ قبيحةٍ أدَّعِي شرفـَهـََا
لكنْ ليسَ هذا شرفـًا.
فكثيرٌ مِمَّنْ تتسلَّطُ عليهم نجمة ُ الخلودِ
لا يستشعرونَ جدوى النورِ
حيثُ إنْ عيونهم مُلِئتْ بإغماضةٍ
على ذكرياتٍ تنتمي للعالم ِالسابق ِ،
عِلاوة ًعلى تحوُّل ِصُوَرِهُمْ
إلى سماواتٍ فضفاضةٍ،
أوصلتها الشعوبُ إلى الأساطيرِ،
أو إلى جينز يفسدُ الخِصْـية بـِقبضتِهِ.
الخيرُ تصميمٌ لمجرةٍ
مرفقٌ بها جَناتٌ ونَهَرٌ





سيوجدُ إذا وُجِدَ مهندسٌ متحمسٌ
لِيثبتَ نفسَهُ عبرَ تطبيق ِالفكرةِ
لا تطالبْنِي بكراهيةِ هتلر،
الذي لمْ ينلْ شرفَ معاصرَتِي.
لكي تطالبَني بكراهيةِ هتلر،
تحوَّلْ أنتَ إلى هتلر،
ودعْنِي أتعذبُ بواسطتكَ،
مشردًّا وجائعًا ومساقـًا كعجلٍ،
ولأجلي شاركْ في بروفةٍ تجهزُ على العالم
لكي تدفعَنِي إلى العاطفةِ،
ابتعدْ عن الفضيلةِ وكلمْنِي عن الممكن ِ
إنني لا أريدُ النهرَ للتأمل ِ،
ولكنني أريدُهُ للتزوُّدِ ببطارياتِ التسكع ِ
حتى أواصلَ مسؤولية َالعمرِ.

6 ـ حــاربــوني





بلى
أزدادُ قبحًا ليلة ً بعدَ أخرى،
وليسَ لي جفونٌ،
بمعنى أنَّ كلَّ ما تدبرونهُ أراه.
لا تمرُّوا مترددين
وليسَ فيكم ثقة ٌ،
حتى لا أزيحَكُمْ
كقطع ِ الشطرنج ِ.
حاربوني بالنهارِ الذي لا أعرفهُ ،
واعلموا أنَّ قمة َ تألقي
فيما هو مهجورٌ مِنَ الأرض ِوالكلام ِ.
لا مزيــدَ
نصحْتُ بما يكفي.

7 ـ مـواهـبـي تـضــيـع

قال لي المرقد المائي : إنك غارق وإنهم غارقون
فوقَ جسرٍ حيثُ يوجــدُ المطرُ
وضعْتُ تصـوَّرًا لحياتي,
و كانتْ دواماتٌ هائلة تنشأ في البحيرةِ القريبةِ,
عدساتي باشتْ رغم أنَّ نظراتي قاحلة ٌ,
وبهذا انفصلَ العالمُ
كقطارٍ تنعطفُ عرباتـُهُ كــلٌّ منها في تحوُّلٍ,
ذابَ الطفلُ ذو القدم ِالحــافيـــــةِ
في يدي,
ولا خاتمَ زفافٍ حتى اللحظةِ,
وعندما صَهَلَ فرسٌ لمْ أنظرْ,
فتلاشى
بعدَ أنْ اسـتـنـفــدَ طاقة َ الوفاءِ.





ثمَّ بدا لي مِنْ بعْدِ مَا رأيتُ الثلوجَ
أنَّ الجسرَ ينشقُّ عنْ جانبيهِ
ويهْوِي,
هنا منْ أجلِ أزمةٍ,
ومحاولةٍ يائسةٍ للفصلِ بين قطراتِ المطرِ
وبين ماءٍ
يبدُو كأنهُ هو مِنْ يوم ِ أنْ نشأ.
هذا أبيضُ وذلك متكررٌ.

لو كانتْ لهُ المقدرة ُ أنْ يقفَ
في الهواءِ
بعيدًا
دونَ أنْ يندمج.

























طائر مصاب بإنفلونزا



مارًّا علي المحيطِ،
لآخرِ مرةٍ،
لا سحابَ أكبرُ من دمع ٍ،
صنعَ الثلجُ مذبحة بالعشبِ الذي أحبني
شجرةُ الحلمِ دُفِنتْ حَيَّة ً
في البياض ِ،
أعلمُ أنَّ علي الشاطِئ ِ الآخرِ شَرَكـًا،
أعلمُ أنَّ بمجردِ هديلي سيبدأ ُ العرضُ العسكـري ُّ،
أعلم أنَّ السماءَ ستسقط ُ مغشيًّا عليها،
والتراجيديا ستنظرُ مِنْ بين ِ الكواليس ِ،
وينشـقُّ قلـبُهُا،


وهي تبصرُ بقعة ً منَ الدَّم ِ الحقيقيِّ علي ريشةٍ سقطتْ
قبلَ أنْ تبلغ َ الستارَ.


مارًّا علي المحيطِ لآخرِ مرةٍ ،
هنا صيَّادونَ يستأصِلونَ الزرقة َ،
هنا عملياتُ تـسريع ٍ،
هنا أراجيحُ تــَـنـْسَى،
هنا بين موج ٍ وآخرَ،
شباكٌ تلقِي مواعظـَهَا للغيابِ .
وُلِـدْتُ في غيمةٍ،
سأموتُ في غيمةٍ،
غيمتي الثانية ُ ليستْ كغيمتي الأولى بِحال ٍ
غيمتي الأولى غيمة ٌ،
غيمتي الثانيةُ ليستْ غيمة ً بحال ٍ.











لسْـتُ خرافيـًّـا،
بجناحَيْن ِ أسطوريَّـيْن ِ،
ولا لِي منقارٌ كَقراراتِ السياسيينَ،
ولا لِي مِمَّا يُصْنعُ مِـنهُ حَمَّالاتٌ أثداءِ الأميراتِ ريشٌ،
ولا لوني نمقَهُ قوسُ قزح َ،
ولا هديلي هديــلا.



...
لكنني ما نمْتُ مرة ًعندَ جـــــذع ِ الموعظـــةِ،
ولا أرسلـْتُ العِمْـيانَ إلى كهـفِ خفافيـــشَ,
كما أنَّ الشمسَ التي كانتْ تمـسحُ بلاط َ وحدتي،
لمْ تخرجْ منْ عندي لِتعملَ في ماخورٍ,
الليلُ الذي رافقني كَعُقابٍ
لِيُرِيَنِي أنَّ الحياة َ
تبيتُ في مخدع ِ مَنْ يدفعُ أكثرَ
وفراشاتِ الأنوثةِ لا ترفُّ
إلا على مومياواتٍ بلا رحيق ٍ
ذلك الليلُ لم أطعـنـهُ ولم يطعـَنِّي,
لكنناـ أنا وليلي ـ
وُجِدنـَا في مَركَبٍ مجهول ٍ،
وقدْ قـُطِعَتْ أصابعُنـَا
ودمٌ كثيفٌ في الشباكِ.




(كنْتُ ذاتَ يوم ٍ
منْ لحم ٍ وضغائنَ.
كنتُ ذاتَ يوم ٍ
منْ مكائدَ و دم ٍ.
حبسني الظلُّ هاهنا,
فارتختْ يدايَ ،
وانكمشَ قلبي ،
ونشأتْ لي حوصلة ٌ...)
سَيُحَرِّقُونـَهُ
لأنـَّهُ أخرجَهُمْ في حزن ٍ ماطرٍ كهذا سيحرقونه
لأنهم يضعونَ أباطيلـَهُمْ في كِفَّةٍ،
وهو في كِفَّةٍ غيرِهَا.
لأنه بوابة ٌ ...
في الجدارِ الوحيدِ الذي يريدونَ سدَّهُ.
لأنه جسرٌ ...
فوقَ نهرٍ أخيرٍ يريدونَ عزلـَهُ...


كلُّ التفاحاتِ طارتْ لأعلى،
الناسُ صارتْ تمشطُ رؤوسَهَا لأعلى،
خرجَ الموتى
بأكفانِهـِمْ قائلينَ: سئمنا متابعة َأفلام ِالكرتونِ،
الفأرُ تجشَّأ، والقطُّ اختبَأ,
أخذوا عصائرَ وقشـَّرُوهَا,
فلمْ يجدُوا فِيهَا لـُبًّا, فجُنَّ مَسَاؤهمْ,
أخذوا الأحبـارَ
وأرضعوها لبيتِ الفم ِ الكسيرِ,
ولم يَهْدَؤوا حتى بالوا على تماثيلَ تذكاريةٍ,
ونصَّبُوا لمدينةِ الليلِ،
ذاتِ الأظافرِ المسلـــيةِ
صاحبَ أفضل ِ كفن ٍ حاكمًا عليها، ماتَ الزمنُ متوكئا, وظلَّ متوكئا حتى جئنا، وأكلنا مِنْسَأتَهُ, فخَرََّ,




وامرأة ٌألقمتْ ثدْييْهَا ِلشجرٍ لا يحبو, فنبتَ الدودُ في الملح ِ, ونحن أخذنَا بلحيةِ السأم ِ نجرُّه إلينا, وعكفنا على وخزٍ مسَّهُ المسخُ, وجعلنا كلمة َ الليل ِ هي العليا، عندها بدأتِ المحرقة ُ...
لأنَّ النسيانَ سرقَ حقائبَ دبلوماسيينَ واطـَّـلعَ
لأن الأرضَ دارتْ بعكس ِعَواطفِهـِا،
فانسكبَ كلُّ شيءٍ على كلِّ شيءٍ.
لأن التداعِيَ يجوبُ الميادينَ بِملابسَ خرقاءَ.
لأن كلَّ شيءٍ بالَ على كلِّ شيءٍ.
لأن النهارَ بدأ تقاعدَهُ في مجرةِ عميان ٍ.
لأن الليلَ أسلمَ نفسَهُ للنعاس ِ
على مقهى البحرِ.
لأن الماءَ تجلط َ والدمَ تدفـَّقَ.
لأن حياة ً على إفريزِ المجرةِ،
تبكي وتهدد ...














أحرقوني إذن
بالشجرِ الذي كانَنَي وكنتهُ
بالنسيم ِ الذي زارني وعاد سالمًا
بالعشبِ الذي عَلِقَ بأوتارِهِ قلبي
حينَ كنتُ ألتقط ُ الحُبَّ
وأنتظرُ المساءاتِ ...

المسلخُ توسَّـلَ لِي قبلَ المحرقةِ،
توسَّـلَ لي
بأناملِهِ ذاتِ الشفـرةِ الرقيقةِ، بحداثـيـَّتِهِ،
بلذةِ الذبيح ِ إذ يتركُ نظرة ً هائمة ً
تعـذبُ الذابحَ،
توسلَ لي بفلسفةِ الحزن ِالمُرَاق ِ،
عَبْرَ قرون ٍعدةٍ،
بتريليوناتِ الخوافي والقوادم ِ
التي استسلمتْ
فإنهُ مِنْ أجلِ حياةٍ أيًّا كانَ شكلُهَا
ـ إذ حينَ يرتبطُ الأمرُ بالذينَ يمجِّدُونَ الأزهارَ،
و الخداعَ.
بالذينَ ينحتونَ القيمَ المطلقة َ،
ليبولوا خلفَهَا،
فإنَّ مَنْ يملكُ التبريرَ
يظلُّ أطولَ وقتٍ ممكن ٍ في اللعبةِ.


قال لي المذبحُ:
لا تَكُنْ منطقة ًمنزوعة َ السلاح
قال لي:
غَنِّ للجسورِ ثمَّ اقطعْهَا
قال لي:
إذا كنتَ مقنعًا أو مقتنعًا فأنتَ إرهابيٌّ
قال لي:
أنْتَ بيئة ٌ صالحة ٌ للحفرِ
قال لي:
صافح ِ الآخرينَ بسكين ٍ
قال لي:
لا تؤجِّـلْ جرحَ النهارِ إلي الليل ِ
قال لي:
المصطلحُ يا عزيزي مُومِسٌ
قال لي:
استظل حين ينحسرُ الظلُّ
في العراءِ المطلقِ بِكْ.




مِنْ أيِّ فردوس ٍ، نَبَت ذلك الشيطانُ الـــــذي يدخنُ، ويمضغُ العلكَة، ويتبولُ في النافورةِ دمًا.
من أي جحيم ٍطُرِدَ ذلك الطيفُ الــــذي لا يدخنُ، وتمضغهُ العلكة، وتتبولُ النـــافورة ُ في فمِهِ وطنـًا.
والنافورة ُ التي ارْتَدَّتْ حديقة ً، جاءَهَا غرباءُ يمسكونَ العزلة َ مِنْ ذيلِهَا، ويصطـــــادونَ ملائكة ً بِخيوطِ العناكبِ، ثم يتقامرونَ علـى قلوبٍ ملأى بالفراشاتِ، وفي النهايةِ ينهضُ سكيرٌ، ويطوي الحديقة َ، كأمسيةٍ فاتتْْْ، ثم
يمضي
لِينامَ
عندَ
قطارِ
النفق.






الأفقُ الذي أضيعُ فيهِ كإبرةٍ،
الأفقُ الذي أقصَى أمانِينَا أنْ نتحابَّ بدفئِهِ،
الأفقُ الذي تجرُّهُ اليابسة ُ خلفَهَا،
كذيلٍ لا نهائيٍّ
ذلكَ الأفقُ انتبهَ على يدٍ تـُقطـَعُ،
و سماءٍ تسيرُ بلا ملا بسِهَا،
وقمرٍ يُقتَادُ إلى سجونٍ سريةٍ،
حتى
يُدْلـِيَ
بأقوالِهِ
عن
طائرٍ هاربٍ...




اِنشغلوا إذنْ
بتخزين ِالصدمةِ في آبارٍ تدرسُ،
انشغلوا بترميم ِ الشفقةِ أو رجمِها،
انشغلوا بصفع ِالزمن ِعلى قفاهُ،
بعدما تبينَ أنَّ ملابسَهُ الخرقاءَ،
ذاتَ الأكمام الطويلةِ،
وتهتهتهُ مجردُ كمين ٍ.
انشغلوا بمراسم ِ دفن ٍ بعد حداثيةٍ،
إذ تُوضَعُ القلوبُ
كلُّهَا
في مقبرةٍ،
والرئاتُ كلُّهَا في مقبرةٍ،
والمؤخراتُ كلُّهَا في مقبرةٍ.









ليتَ المحيط َ قطرة ٌ،
أحسوها،
وأضع لؤلؤََهَا بقلبي.
ليتهُ عشبة ٌأحملُهَا تحتَ جلدِي.
وأصنعُ منها عُشِّيَ الأخير.
ليتهُ قمرٌ يغيب ُأكثرَ ممَّا يسطعُ،
ما كنـْتُ أحببـْتـُهُ.
ليتهُ يسحبُ شالـَهُ الأزرقَ
حيثُ يكمنونَ
فيغمرَ أبصارَهُمْ بالزبدِ.


لو ترحلونَ دُفعة ً واحدة ً
لا توسِّخونَ الذكرى،
يتمثـَّلُ لكم النسيانُ بشرًا سويـًّا،
لا تفزعونَ في ليلِ عثرةَِ الريح ِ بـِأباطيلكم.
لو ترحلونَ دفعة ً واحدة ً
يهدأ عطبُ المهدئاتِ مِنْ صُدَاع ِ اليابسةِ،
لا تبولونَ على سَجَاجيدِ عفوٍ، ولا
تحطمُونَ مزهريَّاتِ بكاءٍ، ولا تنهضونَ
على دقائقَ تموتُ
بأزماتِ بوح ٍ بينما جثثٌ
مبهمة ٌ تـُلقـَى مِنْ نوافذِ الســـــهو.
لو ترحلونَ دفعة واحدة
لا تلتفتون إلى أيام ٍ تجلسُ مبتورة َ البصرِ،
ولا تقدِّمُونَ المَحَالِيلَ كعِلاج ٍ لليتم ِ،
بينما جذع ُ المُخِّ ميتٌ.





إذنْ سأشعلُ نفسِي
وأهبطُ في مجرَّة ٍ مِنَ القشِّ،
ليسَ ذلكَ قيـــامة ً لشيءٍ،
غيرَ أني أخبركم أنه
كمــا يكونُ بوسع ِإبرةٍ أنْ تخيطَ وتفقأ،
و بوسع دمـــعةٍ أنْ تفتتحَ نهرَ التشنجاتِ،
في مساءِ الفرح ِ،
وبوسع تمتمةٍ أنْ تركضَ بقلبِ عجوزٍ على زمن ٍ بجناحين ِ،
فإنه بوسعِ طائرٍ
مهيض ِالجناحين
أن يفعلَ بكم
الكثيرَ







كعاملٍ بنجاليٍّ مشنوق
أمام مشيئةِ الكفيل ِ
معهُ حزمة أهدابٍ يابسةٍ،
معهُ تحتَ جلدِهِ ركض ٌ،
معه ُغرابان يتقاتلان في قلبهِ،
معهُ خميرة ُ ليلٍ فرنسيةٍ،
معهُ ريشة ُ طاووس ٍ فرَّ من غابةِ زوارٍ
وراحَ يصخبُ قبل أن تدوسَهُ شاحنة ٌ،
معه أمواسٌ مثلومة ٌ بين جفنيهِ...
كالاستئذان ِعلى أفعى
كيفَ يكونُ



وانتبهْ
أنتَ خرجتَ إلى العالم ِ بلا سُترةٍ.

وانتبهْ
أنتَ منذ مولدِكَ وأنت تخوِّضُ في حائط ٍ.

وانتبهْ
أنتَ ترشُّ الأسِرَّة َ ظنـًّا منكُ أنها قبورٌ.

وانتبهْ
أنتْ تنامُ على نجفةِ البهو،
وتسيرُ على ماءٍ،
وتغفو
في
صدفةٍ
بالأفق ِ.




خارجينَ مِنَ الكهوفِ إلى الثلج ِ،
كلمتنا المشاعلُ
أنْ عودوا مِنَ التيهِ قبلَ المساءِ،
المعاطفُ شفة ُ الاطمئنان ِ،
النهمُ أمامَكم،
و وخزٌ طويلٌ مِنْ ورائِكم،
سنرشُو ذلك الإيحاءَ
بكمائن ِ اليقظةِ
سنصطادُ دهشة َالثعالبِ ذاتِ الفرو،
وتكلمنا أعينُهَا عن البياض ِ
الذي جمَّدَ الروحَ،
والأفواهِ الفاغرةِ على إيحاءِ اللاإيحاءِ،
النباحُ يدٌ
وبصيرة ُ اليتم ِ لا حد لها.

أحملُ الموتَ مَعِي أخيرًا
أنا والموتُ رَفِيقانِ
أخيرًا.
سأقدمُ لهُ البيرة َ،
سيقدمُ لي النعناعَ،
سآخذهُ إلى غابةٍ،
سيقتادني إلى المحيطِ،
سأصحبُهُ إلى الملاهِي،
سيقحمني في آلةِ الزمن ِ،
سأجرُّهُ إلى المَرقص ِ،
سيسحبني إلى الصلاةِ،
سأشتري لهُ جلبابَ الأكمام الطويلةِ،
سيشتري لِي لوزة ً بيضاءَ،
سأقولُ له: أنا البروروكو،
سيقولُ لِي: أنا التسونامي،
سأضعُ له المخدِّرَ في الزمن ِ،
سيرمِي لِيَ اللذة َ في اللامكان ِ.

فجأة ً بحيرة ٌاستوائية ٌ منْ تحتِ قدميَّ،
شلالٌ جارفٌ
خطَفَ قاربَ قلبي، ومضى
أشجارٌ برتقالٍ
قطعتْ رقبة َ الليل ِ بقصافةٍ ،
غابة ٌ
تستظلُّ بشمسيِّةٍ،
وسماءٌ تعزفُ
وشْـوَشَـاتٍ
فرحة ٌ خالصة ٌ
وأنا أحركُ جناحيَّ،
فـَيَخْفِقـَان ِ في الزَّبـَدِ،
وأكادُ أطيرُ
أكاد ُ
أطيرُ
فعلاًً.

مارس 2006








فــــاصـــــــــل الشمالي








1 ـ المطـاردة




هنا في الطريق ِ جَرَى شاعرٌ
بالجفاءِ الذي يشنـُقُ،
و بالسَّحَاب.
بالخيوطِ التي طارتْ مِنْ عينيهِ
العصافيرُ جاءتْ
صَنعَتْ أعشاشَهَا
فوقَ شجرٍ وأجهزةِ تكييفٍ
( شيءٌ أغربُ منَ الخيال ِ، الكلماتُ ككتل حجريةٍ، تقفزُ مدمِّرة ً اللافتاتِ، وإشاراتِ المرور ِ، وكبائنَ الهاتفِ المعلقة َ )


كانَ لِيكتبَ يعتلُ الكلمة َ
ويضعُهَا بعدَ إرهاق ٍ
في منظومةِ السطر ِ.
الحبُّ كلمة ٌ متوسطة ٌالحجم ِ،
يرفـَعُهَا خطفـًا
ويحصلُ بـِهَا على مَركزٍ متقدم ٍ.
الكراهية ُ لا يفعلُ مَعَهَا شيئـًا،
لأنها في وزن ٍ صعبٍ.
سارعتِ "اليأسُ"، و تسمرَّتْ في الزاويةِ التي تهبطُ منها الحقيقة ُ،
تدخنُ،
وتلوِّنُ لوحتيْن ِ بالأسودِ.
ووقفتْ في ميدان ِ اللافتاتِ بلا جزع ٍ،
مزهوة ً بـِأحمرهَا،
رغمَ كسرٍ مضاعفٍ
في عنقِهَا " لا ".


أمَّا بلى فقدْ لونتْ وجوهـًا
و نحتتْ أقدامًا
تجري وترقصُ وتلهَثُ.


يومًا طُـلِبَ إليَّ أنْ أكتبَ
عَنْ كلمةٍ مِنْ عشرةِ حروفٍ،
صرخـْتُ،
ليسَ هذا وزني،
لا أرفعُ أحجامـًا كبيرة ً،
عذبوني لِغباواتِهمْ،
وأعطوني حِبْرًا،
ورافعة ً،
ثمَّ
أزاحوا الستارَ عَنْ حجرٍ هائلٍ
للديمـقــراطـــيَّة.


2ـ ما قالته الأطعمة داخل الثلاجة









في كلِّ مرَّةٍ
يخطِفُ الإنسانُ شيئـًا،
ننامُ ونستيقظُ على رفٍّ خاوٍ،
وليسَ سوى الأنين ِ
مكانَ الزجاجاتِ التي اختـُطِفـَتْ،
ليسَ سوى الأسَى وراءَ كلِّ طبق ٍ.





نتحطمُ
وأعصابـُنـَا مُنهَارَة ٌ
إثـْرَ كلِّ بابٍ يـُفتـَحُ،
مَنْ منـَّا سيأخذونهُ إلى هناكَ
حيثُ آلاتُ التعذيبِ الثقيلة ُ
السكاكينُ،
و الضروسُ التي تـطحنُ.
( وما زلـنا نتذكرُ تضرعاتِ "التورتةِ" المساقةِ إلى احتفالِ الأمس كانتْ جميلة ً، ثلاثة أدوار، وشمعة ًواحدة ًلأجلِهَا حشرونا في دُرْج ٍجانبيٍّ، وأخْـلوا لها عدة َأرففٍ، كانتْ تقولُ : لمْ أكملْ يومًا، دعوني أموتُ طبيعيـًّا بالعفن ِوالفطر ِ )




كلُّ رفاقِنـَا مِنْ عُلبِ المُرَبَّى
ـ والذينَ كانوا يتحدثونَ بـِكبرياءَ ممتعةٍ
لأنهُمْ معقمونَ،
و يعرفونَ عمرَهُمْ بالضبطِ،
مِنْ قبل ِ أنْ يغادروا المصنعَ،
هؤلاءِ كانوا يؤنـِّبُوننا على الاستسلام ِ.
يقولونَ:
" لا تزالونَ مكتملينَ، تفاحًا بـِحالِهِ،
وطماطمَ بحالِهَا، أمَّا نحنُ فقدْ صِرنا عجينـًا، خـُلِطْـنا آلافَ المرَّاتِ، حتى لم تعدْ لنا إرادة ٌ "

و كانوا ـ رفاقـُنـَا مِنْ عـُلبِ المُرَبَّى ـ
ينصحوننا دائمًا بالتغيير.



أمَّا الفُـلفُـلُ الأحمرُ بالتحديدِ،
فقدْ اتخذناهُ رمزًا،
حيثُ كانَ الأجدرَ مِنْ بين كلِّ الخضراواتِ
على النـَيْـل ِ مِنَ الإنسان ِ،
ولمْ يكنْ أحدٌ يجترئُ عليهِ
إلا ويصيبُ حلقـَهُ وأنفـَهُ معًا
بآلام ٍ مُبَرِّحَةٍ.



وفي انقطاع ِ الكـَهْرَبَاءِ قبلَ يوميْن ِ
ابتهجنا
وكمْ كانَ منظرُهُمْ مزريـًا
ـ أصحابِ المنزل
وهمْ يلفِظوننا بأسًى متعجِّـل ٍ
بعدَ أنْ حَمَضنا.


3 ـ ثورة الصـراصـير








أيُّهَا الأفندية ُ
لا تقبلوا إهاناتٍ أكثرَ،
ولتكنْ لدينا العزيمة ُ لِردع ِ أيـةِ مــبيداتٍ،
كلَّ يوم تزدادُ تحرشاتُ البشر ِ،
كلَّ يوم يموتُ مِنْ خيرةِ أبنائِنا
صرصورٌ واعدٌ.







اطَّـلعْـنا على وساخاتِ البشرِ،
ونعملُ كلجنةِ تفتيشٍ على قذارتِهِمْ،
لِنفهمَ سرَّ أنْ يعزلَ الإنسانُ برازَهُ،
وفي نفسِ الوقتِ
لا يتنصَّـلُ مِنَ القتلِ أو الكذبِ،
تواجُدُنا في البَالوعَاتِ
دليلٌ على أننا طلابِ علم ٍ،
وليسَ صحيحًا أننا نحبُّ الكريهَ مِنَ الروائح ِ
ولكنْ نحنُ علماءُ
نجرِي تجارِبَنا على أنفسِنا أولا بأول.








لِلإنسان أنْ يكونَ محاربًا،
يصفـِّي عَالمًا بانشطارِ الذرَّةِ،
لكنَّ أحدًا لا يمنعُ نفسَهُ مِنَ الهلع ِ،
و الاشمئزاز بإزاءِ وجودِنا،
وانظرْ إلى جنديٍّ عادَ مِنْ مناورةٍ،
و تقلـَّدَ وسامًا،
فإنهُ فورَ رؤيَتِنا متجولينَ بينَ الأطباق ِ
غيرَ عابئينَ لِتواجُدِنا المتطفـِّل ِ
يرفعُ حاجبيْهِ ويصرخُ كطفل ٍ
ـ لنْ تكونَ لهُ دِرَاية ٌ
وربَّمَا يستعينُ بشخص ٍأو أداةٍ لِينتقم.








لسنا خطِرينَ كالنمل ِ،
ولا نحتلُّ الأركانَ بوضع ِ اليدِ
كما تفعلُ العناكبُ،
ولا يوجدُ مِنـَّا مِنْ يُجْري تجاربَ على الدَّم
بأخذِ عيناتٍ بالعَـنوةِ أو التحايل.
وكم ندَّدْنا بالبَّعُوض ِوَالبراغيثِ،
لأنها تفسِدُ كلَّ شيءٍ بالتهور.
ولو عَلِمُوا لماذا نفضِّـلُ الظلامَ على الضوءِ
لأدركوا أننا فِعْلا نثيرُ القرفَ
ولكنُ ليسَ في مقدورِ أحدٍ مِنـَّا فعلُ شيءٍ.






ضعُونا فِي صناديقَ زجاجيةٍ كثورةِ تصحيح،
تقينا مِنْ قطـَّاع طرق ٍ كالعناكبِ،
و تزوِّدُنا بأمْصَالٍ،
ضدَّ ما تلغِّمُونَ طريقنا مِنْ سُمُوم.
وأخرى في داخلِكمْ
لِتفقدوا الكراهية َ إلى الأبدِ.
لا نطالبُ بأنْ نُعَامَلَ كالكلابِ،
تفتحَ لنا المطاعمُ،
ونتوَّجَ بالسَّلاسِل،
لأننا لنْ ننجحَ في عُرُوضِ المهارشةِ والوثبِ
ولِقوتِنا المحدودةِ
لسنا (بودي جاردز) ناجعين.








ذاتَ يوم
سنستيقظُ على حالةِ مصاهرةٍ
بينَ مغامرٍ منكم،
فـُتِنَ في ملكةِ جَمَال مِنا,
حتى يولدُ هذا الجيلُ الذي سيوفرُ علينا
أيَّة َصراعاتٍ عرقيةٍ,
لا نستبعدُ ذلكَ,
وملكاتُ جمال الصراصيرِ
موفورة ٌ,
كشعر الرأس.

4ـ الشمالــي

لست خرافيا بجناحين أسطوريين ،
ولا لي منقار كقرارات السياسيين ،...
ولا لوني نمقه قوس قزح ،
ولا هديلي هديلا





الجنوبيُّ شيءٌ،
والشماليُّ شيءٌ آخرُ.
الجنوبيُّ طيفٌ،
والشماليُّ نـِثـَارٌ،
خطان ِ مُتوازيان ِلا يلتقيانْ.



الجنوبيُّ
نامَ عندَ جذع الموعظةِ،
بعدَ أنْ قشـَّرُوا أصابعَ قلبـِهِ،
وأفرغـُوا قلبَ أصابعِهِ.
الشماليُّ قطعَ غابة َ الموعظةِ،
ولمْ يكنْ لهُ أصابعُ،
لمْ يكنْ لهُ قلبٌ.



الجنوبيُّ يروحُ للمنزل الثالثِ
بعدَ المنحنى،
الشماليُّ يروحُ للمنحنى الثالثِ،
بعدَ الطلل ِ السادس ِ،
بعدَ البكاءِ الأخير.


الجنوبيُّ
لهُ صورة ٌ عائلية ٌ
على حائطِ الذكرى
في غرفةِ الألم
في مجرةِ الوداع.
الشماليُّ
ليسَ لهُ صورة ٌ
ليسَ لهُ عائلة ٌ
يرتدِي معطفَ أرصفةٍ
لا يحيا لِترميم ِ أزمنةٍ.



أخيرًا
الجنوبيُّ ناحية ٌ.
والشماليُّ
نزوة ٌ.




من مذكرات عبارة غارقة








علمَ بَنمَا
أنا لسْتُ مِنْ بنمَا
لمْ أصافحْ يومًا حنينـًا مِنْ بنمَا
لا أدري في أيةِ قارَّةٍ بنمَا
أغرقُ
وفوقَ ساريةِ ذهولـُي عَلـَمُ بنمَا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.ارتبط الشاعر بعبارة السلام 98 حيث كانت أكثر العبارات التي ركبها في ذهابه وإيابه إلى جبال الطائف
كانت رفيقة سفر وصديقة وداع





مائدة ٌ بقامةِ الليل ِ لأسمائِنا
لمْ تحملـهَا ملائكة ٌ
ولا طلبَهَا شاكٌّ
لمْ يكنُ خبزُ السكينةِ فيهَا ولا توابلُ الحكمةِ
انتصبتْ علي الموجِ هاهنا
قبلَ أنْ تجرعَ الدلافينُ سُكـْرًا مغشوشـًا
وتهذِي
الطباخونَ حُوصِرُوا في خـَندق ِالملح ِ
حُوصِرُوا وماتوا
لكنَّ الشواءَ ظلَّ يدورُ علي إصْـبع ِ الزمن ِ
وينزُّ













ضربَ الساحرُ هامة َ البحرِ فصارتْ نفقـًا
وضربَ مؤخرتـَهُ
فصارتْ تِيهًا
في النفق ِ أم التيهِ ـ يا سَيِّدِي ـ سيكونُ الحفلُ
في التيهِ
أمْ النفق.



أنتَ فاجأتنا أيُّهَا البحرُ
كانَ الاطمئنانُ يحنُّ لِقلبٍ اصطناعيٍّ
حتى يفتحَ عينيهِ المُسْبَلتيْنِ منذ عصورٍ
أنتَ فاجأتنا أيُّهَا البحرُ
كانتْ قماشة ُالروح ِ تحتاجُ لِرَفـَّاءٍ
على الشاطئ الآخرِ رفاءٌ
يحتكرُ خيوط َالحنين ِ
التي لا تـُحَاكُ الروحُ إلا بها


أيُّهَا البحرُ
لنا مقابرُ في اليابسةِ
اشتريناها أغلى مِنَ القراريطِ
وشواهدُ سَتـُحَبَّرُ باعتزازٍ
لنْ ندفنَ في صدفٍ
فنحنُ لا نحتملُ القنصَ مرتيْن ِ







لنا أرصدة ٌ مِنْ قـُبَل ٍ مُجَمَّدَةٍ
إذ لا يمكنـُهَا أنْ تمرَّ بلذتِهَا عبرَ الهاتفِ
لنا أهلٌ
قدْ رتـَّـبُوا أنفسَهُمْ على حَمْـل ِ حقائبـِنا
خبزوا المَحََبَّة َ في أفرانِهِم ِ المنزليةِ
ورشـُّوا غبارَ الوحشةِ
لِيهدأ أمامَ البيوت.
وحينَ يجيئونَ
سيفسخونَ البابَ الخرافِيَّ للذاكرةِ
سيقولونَ لنا: أهلا
ويبللونَ ياقاتِ تـَرْحَالِنا
بالدُّموع.










هناكَ أناسٌ سيكلموننا عن ِ الغربةِ
ونكذبُ عليْهِمْ
سَنخبرُهُمْ أنـَّهَا رحيمة ٌ
تـُعْطِي ولا تأخذ
سنواري شيبَ الروح ِ الذي فضحَهُ شيبُ البصرْ
ونتصنعُ اتصالا هاتفيًّا
منْ جوَّالٍ قادرٍ على التقاطِ الصورْ.




كمَنْ نبتتْ ثعلبة ٌخرساءُ
في فروةِ ابتساماتِهِ
كمَنْ وَضَعُوا دموعَهُ فِي غـِربَال ٍ
ولمْ تسقطْ.
كمَنْ توهَّجَ كسوفٌ في عينيهِ فجأة ً.
كمَنْ يحدِسُ عقربًا على قفاهُ.
كمَنْ نامتْ في مِخدعِهِ رائعة ُ "أصعدُ الدرجَ"
كمَنْ ينهارُ
جسرٌ خشبيٌّ
تحتَ قدميهِ
السَّاهِيَتيْن
كمَنْ دسُّوا لهُ في السَّعَادةِ سمًّا.
كمَنْ اقتادُوا انتمَاءَهُ مَعْصُوبًا إلى مُعْتقل ٍ.
كمَنْ ألقـُوا ماءً ناريًّا علي بروفيلِ بصيرتِهِ.

كمَنْ انفجرتْ في ذاكرتِهِ مواسيرُ صرفٍ.
كمَنْ حاصرتـْهُ مجرة ٌ
منَ "المارينز"
وليسَ مؤمنـًا.
كمَنْ أجْبـِرَ على صعودِ
نخلةٍ مرسومةٍ
على حائطٍ
أملسَ.
كمَنْ جاءَهُ طردٌ فيهِ جثة ُ ماضيهِ.
كمَنْ بـِمُوسيٍّ معقم ٍ بالكولونيا
داعبوا رجولته
كمَنْ تدحرجَ
عمرَهُ
في بالوعةٍ
وهو
يراهُ.



أنتَ توأمُنا الملتصقُ بنا مِنَ الرأس ِ
أيُّهَا الغرقُ
لمْ تكنْ انقلابًا عسكريًّا فاجأنا
لمْ تكنْ مطرًا موسميًّا
لمْ تكنْ نزوة ً
أولَ العمر ِاختطفْتَ مِنـَّا الطفولة َ
في ظروفٍ غامضةٍ
واقتدْتـَها منكوشة َالشعر
إلى حُزن ٍمَجْهُول ٍ
لِتدفعَ بها في النهايةِ
مِنْ فوق ِجِسْرٍ خشبيٍّ في الذاكرةِ.
بعدهَا فتشنا دولابَ الفرح ِ
فوجدناهُ خاليًا
حتى مناديلهُ القزحية َ
لمْ يتركْ لنا مِنهَا
واحدًا

يومًا آخرَ
كانَ لصُّ الزمن الملثـَّمُ
يَخطِفُ أسناننا اللبنيَّة َ
في حضورٍ باهتٍ للشمس ِ
بعدَ سنواتٍ
رأينا انهيارَ سدودٍ عديدةٍ,
ورأينا أشجارًا تنزحُ خارجَ أعمارِنا ،
وحفرًا عميقة ًفي الروح ِ
تؤنسها شهوة ُالبكاءِ,
بعدَهَا ترجَّلَ نحونا رملٌ،
ورأينا أشباحًا تشبهنا تغوصُ
شيئـًا
فشيئـًا
باتجاهِ أرض ِ
الشيخوخةِ
المقدسة.


"الرَّدَّاحُونَ" رَدَحَتْ لهم الهَرَاوات,
لكنهم أبصروا دمعَ الهَرَاوات،
مِنْ دُون بَصلٍ يبللُ حِذاءَ العسْكريَّةِ,
شوهدتْ خوذة ٌتعتقلُ حوتـًا حقيقيًّا,
وظلـَّتْ تعذبُهُ بالكهرباءِ
وبقتل ِحيتان ٍصَغيرةٍ أمامَ عينيهِ,
حتى استقاءَ أشرعة ً
وأجوبة ً
وأطواقَ حياة,
ذهبتْ كتيبة ، وأحضرتْ شخصًا
عيناهُ زرقاوان ورجلاهُ من ماءٍ,
وصاحتْ: هذا هوَ البحرُ,
فانهالتِ الشباشبُ على رؤوس ِ الميادين ِ,
وجرفَ سيلُ اللعنةِ صنمَ الانتظار,



"الرَّدَّاحُونَ "
غادَرُوا حينَ اكتشفوا أنَّ البَحْرَ
لمْ يكنْ بَحْرًا,
أشعلوا حَطبَ النقمةِ،
وظلوا يَخبـِطُونَ على الأفخاذِ بالضجر
جرحًا بعدَ آخرَ
كانتْ خيامُ الانتظارِ
تـُنصَبُ في ميادين ِالنفور ِ,
وكانَ أصحابُ الهَرَاوات يتغيرونَ إلى الأسوأِ,
ومَعْدِنُ الولاءِ الذي صُنِعُوا منهُ تهاجمَهُ سوسة القهر
واحد ٌألقى الهـِرَاوَةَ
فإذا بها تصيرُ مدرعة ً
تلقفُ الذين احتقروا حذاءَ العسكريةِ في خاطرهم
وفرُّوا باتجاهِ نفق ِالعزلةِ.


وأنتَ تقتلني يا بحرُ
اجعلْ عينيَّ تغفوانِ
قبلَ أنْ تذوبَ الصورة ُالتي في يدي
إنْ أردْتَ أنْ تفترسَنِي يا بحرُ
فلا تفترسْ يدي التي فيها خاتِمُ حبيبي
فالخاتِمُ بلا يدٍ سوفَ يَغرَقُ.
خذ هَدَايَايَ يا بحرُ
بيديكَ الخُرَافيتيْن
واجعلها تنجرفُ إلى السَّاحِل
اجعلها تصلُ حتى كرسيِّ أبي القعيد
اجعلها تنطُّ جوارَ لبلابةِ النزيفِ
التي تنعسُ إلى جوارها حبيبتي
فإنَّ الملحَ لا يحترمُ الهدايَا
والرُّعْبَ قدْ سَرَى في عرائِسَهَا
حتى شابَ شعرُهَا القطنيُّ النبيلُ
وانتصب.





سَنمُوتُ بشرطٍ يا بحرُ
أنْ تجعلَ سَمَككَ الذهبيَّ
ينطُّ إلى قلوبنا
ويأكلُ غرفَ الحنينِ بجدرانِهَا والصورَ
ثمَّ يجنحُ لِشصًّ حميم ٍ
يلتقطهُ شغفـًا
ثمَّ يَسْترْخِي فوقَ مائدةِ الأهلِ
وينظرُ لِصورِنا
ذاتِ الشارةِ السوداءِ
فنبتسمُ فيهِ
وهو يتلاشَى في يدِ النسيانِ
الذي يأكلُ قلبَنا الهضيم.


سنموتُ بشرطيْن ِ يا بحرُ
أنْ تثبِّتَ لنا شاهدًا على الماءِ
وتجعلَ لنا مزارًا
لنا يابسة ٌخرجتْ بسترتِهَا الداخليةِ
لِتضاجعَ العالمَ ريختر
في ميدان ِالصَّدْمَةِ
تمنَّتْ لو تصيرُ
حَبْلا
يتدلـَّى
بعيون
أحبائنا,
لِيَرَوْنا
في
المرقدِ
المائِيِّ


والمرقـدُ المائيُّ ليـسَ جاهـزًا الآنَ,
ليسَ جاهـزًا أبـدًا,
كيفَ نفرُشُ المرقـدَ المائيَّ بنشارةِ خشبٍ ملوَّن ٍ, كيفَ ندسُّ في يدٍ خلفَ الظهرِ الحلـوَى لأبناءِ الرفقاءِ, كيفَ نمكيجُ جثة أنقـذتْ الملائكة روحَهَا مِنْ فم ِالسمكِ في اللـحظةِ الأخـيرةِ, كيفَ ننفخُ بالـونـًا للطفولةِ، ونحنُ في قبضةِ المـاءِ، والهــواءُ أرستقراطيٌّ هاهنا, كيف نأتي بتلفازٍ أبيضَ وأسـودَ لِيسمعَ الجدُّ الضريرُ نشرة التاسعةِ, كيفَ نأتي بجرائـدَ وأجهزةِ إفـاقةٍ كديكورٍ
كي يمرَّ بأروقتِـنا
عازفو التصريحات.
نحن مـوتى ونتصبَّبُ خجلا
لأننا لسنا قادرينَ على استقبالِ الضيوف.



قالَ لِيَ المرقدُ المائيُّ:
لسْتَ جاهزًا.
قالَ لِي:
لا تغلقْ بابًا قصدَتـْهُ الريحُ
قالَ لِي:
ضع ِ اليقينَ كلـَّهُ في سلةٍ واحدةٍ
قالَ لِي:
لمَ الهَرَاوات
قالَ لِي:
ابتلالُ الروح أشدُّ
قالَ لِي:
غرقى الماءِ ليسوا الغرقى الوحيدِينَ
قالَ لِي:
لوْ سَلِمْتَ من اليابسةِ لسَلِمْتَ منـِّي



قالَ لِي:
غالبًا ما تأتِي المروحياتُ
بعدَ حينِهَا

قالَ لِي:
إنْ كانَ البحرُ بحرًا,
فاليابسة ُ
محيطــًا
قالَ لِي:
قمْرَة القيـادةِ ليـسَ فِيهَا
جثـثٌ.
قالَ لِي:
إنـَّكَ غـارقٌ
وإنـَّهُمْ غـارقـون...

منذ قرون مِنَ النحيبِ،
والبحرُ مَاش ٍ
في جنازةٍ بلا جثامينَ,
والنهارُ يخسرُ مرافعاتِهِ في محكمةِ البكاءِ,
وفيلُ الدهشةِ يلعبُ كرجل سيركٍ بالموتِ، والميلادِ، وعلاماتِ الترقيم، ويتلقفها بأصابعِهِ الممغنطةِ, والسمكُ جسرٌ معلقٌ مرَّتْ عليهِ قافلة الألوان, والمقاهي رشـَّتْ أعمارًا على رَمْلِ المجرةِ, وأقمارٌ مشتْ بلا مشاعرِهَا, ونحن صَبَبْنـَا بيرتنا
في فم الذاكرةِ, وقمنا بلا معاطفِنا
متدثرينَ بالبردِ، ثمُّ اشتعلنا كمكتبةِ ذخائرَ مرَّ عليها برابرةُ حربٍ, ودفنوا ما تبقى منها في النهر, مخلفينَ وراءَهُمْ إبريقَ خزفٍ يصبُّ الوداعاتِ.







مِنْ تراتيلِنا:
الذمُّ للوقتِ،
مقطوع اليديْن ِ،
الخوان ِالأثيم ِ،
كرة لا نهائية مِنَ الجحيم ِ،
أعطى نهارَنـَا لِقطِّهِ السمين ِ،
وأشعلَ نارَهُ على الجرح ِ
القديم ِ،
لولاهُ ما كنا في الحياةِ مبلسِينَ،
وقتٌ وإنْ منحتـَهُ الوقارَ فهُوَ مهينٌ.







كمجرةٍ
سكبتْ موقدَ الكيروسين ِ
على ذكرياتِهَا،
وشاهدْناهَا تتوهَّجُ
كم مِنْ بطاطينَ يكفي
لِحجبِ المشهدِ
عنْ سماءِ الذاكرةِ.
كم مِنْ الضماداتِ
سيواري احتراقَ القلبِ.
كم مِنْ إبرٍ عازلة.





قالتْ لِيَ العَبَّارَة ُ:
أنـا
لسْـتُ
بنـمِـيَّة ً
يا عزيـزي. .

قالتْ:
أنـا ابنـة اليَـمِّ
واليَـمُّ هـو أبـي
اليَـمُّ
هو
قـاتـلي.




تلكَ الديناصوراتُ التي تضرِبُ بذيولـِـَها ناطحاتِ السحابِ فتهوي, مَنْ معهُ منكم بيضَهَا فليَرُدهُ, فإنَّ الصيحة التي تولدُ في رحم ِالفؤادِ أكبرُ مِنْ أنْ تكمِّمَها يدُ الزمن نفسِهِ ذاتُ المليون إصبَع ٍ والألفِ ذراع.
هاهو الزمنُ يلطمُ التاريخَ على قناعِهِ،
في مشهدِ رسوم متحركةٍ، والتاريخُ يتعثرُ فارًّا في سَجَّادةِ البكاءِ, وسِرْوَالهُ يتدلَّى مِنهُ, صورُ البريق تسقطُ، ومزهريَّاتُ الخِدَاع فوقَ رأسِهِ تتوالى, لكنْ ليسَ بهذهِ السهولةِ سنحملُ نعشَهُ, فالكذبُ الذي لا يقتلُ في حينِهِ يصبحُ إلهَ البراري.











هاهو الزمنُ
حبيسٌ في قارورةِ الديناصوراتِ,
في حَلـْبَةِ صِرَاع أخيرٍ
بينما الأبيضُ المستديرُ
يتحركُ كبندولٍ ساطعِ الرنين ِ
في يدِ الأبديَّة.



سَلِمتْ يـدُ الخـداع ِ
تقبِّلهَا شـفاهُ اليُتم
صَـَباحَ مَـسَـاءَ.
لولاها ما ضُربَتْ مفاعلاتُ الذكرى
بقنابلِ النسيان
لولاها ما قـيِّدَتْ الخيانة ُ ضدَ معلومينَ
لولاها ما امتصتْ تسونامي الغضبِ
إسفنجة ُالعللِ
لولاها ما وَطِئنـَا زجاجَ الحسرةِ
بقدمِ التبريرِ
لولاها ما اقتِيدَ فيلُ الاتهاماتِ
إلى مصحٍّ عقليٍّ
لولاهـا ما حدثتْ فتنة طائفِيَّة
بين الحنين والبــوح
لولاهـا ما التقمَنا حوتُ الاستسلام
لِنحيَا فيهِ بـلا عـبادةٍ


لولاها ما انزلقنا في الطين,
ليأخذنا "هُدْرُ" التخـلـِّي
لولاها ما قلَّمَ أظافر الهذيان
مِبْرَدُ البكاءِ
لولاها ما تنازلنا
عنْ أسهم المبالاةِ
في مزادٍ مغلق
لولاهـا ما كحلنا الدنـيا الصلـعاءَ
بِكحلةٍ
ولا ألبـسْـناهَا بـاروكة ً
ولا دعَّمْنا صدرَهَا الضامرَ
بمطاطٍ
مستديرٍ
ولا رقـَّعْـنا غِشاءَهَا العذريَّ...
ولا منحْناهَا شفتينِ رحيمتين.





قالَ لِيَ المرقدُ المائيُّ:
سَأخْرِجُ العَبَّارَة َ
على جناحيَّ
وأجعلها تسْقِطُ القشريَّاتِ التي عَلِقَتْ بروحِهَا
ستقفُ ها هنا
أمامَ مرآةِ النهارِ
عارية ً تمامًا
في نفس الأمواج التي ذبحتها
لِيلقيَ لها العابرونَ أزهارًا
ورسائلَ حبٍّ
بحجم الأبديةِِ
لتلقيَ للعابرينَ أنينَهَا الأخيـر








...
سأظلُّ هكذا
مرة ً فِي كلِّ عام
أصعدُ بهَا على جناحيَّ
إلى أنْ يأتِيَ
بلا مواربةٍ
مِنْ جانبِ اليابسةِ
أيُّ ردٍّ.

الطائف مايو 2006 م

قبل الليل بشارع


إيهاب خليفة

كتبت قصائد المجموعة في الطائف
من سبتمبر 2007م
وحتى مايو 2008م


الكلامُ
الذي تقولهُ الشفاهُ سام
والكلامُ
الذي يخبئهُ القلبُ سام


نوافذ

نوافذ معذبة بالحبِّ ، تقولُ :
اجلبوا ستائرَ بغرز واسعةٍ
ونقش لعصفور
ممسكٍ
بقشةٍ
من الريح
ودعوني أسكر .

تخيلوا العصفورَ يدين ِ
ولا تحضروا
قلامة للأظافر .

نوافذ تقولُ لها الجدرانُ :
" أنتِ شبهتي "

مقشات

مقشة في العين
لتكنسَ الأسى
مقشة في الأذن
لتكنسَ الازدراءَ
ومقشة فوق اللسان
لتشفط المرارة َ
ومقشة تكنسُ الماضيَ
وأزهارَهُ التي بلا سببٍ
تموتُ
ومقشة مع الغد
لأنه لا يأتي غدٌ
من دون أدرانِه .

ضرس الماضي

إنه مخوخ
ويسبب لي ألما مزمنا
عصبه مكشوف
والهواء الساكن فوقه يدمي
لا قرنفل يجدي
ولا مسكنات
طالما ضرس الحاضر
يئن في الجوار
حيث لا يمكن حشو الزمن المتآكل
بزمن سيتهشم
أريد جراحا عبقريا
يخلع ضرس الماضي
ولا يخشى على روحي
من النزيف
يخلعه بأي شكل
حتى لو ظلت بعض الذكريات
متجذرة
حتى لو كان من دون مخدر
حتى لو اقتضى الأمر
تفجير فمي .

الأيدي المدلاة


يزرعونَ على جانبيَّ ظلالا
ويستبدلونَ بالمصابيح البكماءِ
مصابيحَ مزركشة ً
ويضعون نيونا في الزوايا
بينما أنا أسألُ
لِمَ كلَّ صبح
يُقذف السبابُ من النوافذ
على ملابسي الحجرية
لِمَ أيدي المحبينَ مدلاة ٌ
إلى الجحيم
كرايةِ دولةٍ في حالةِ حداد .

لماذا يطاردنا صانع البلور؟


صانعُ البلور
يسهرُ أمامَ الصهدِ
ينفخُ
من روحهِ
ليصنعَ المصابيح .

أصمُّ وأبكمُ ، هو .
يداهُ مشوهتان ِ، هو .

صانعُ البلور
إن فرحَ لوَّنَ المصابيحَ
لتحيا
في عالم الورد .

صانعُ البلور
إذا استاءَ
جعلَ المصابيحَ بيضاءَ
مريضة
لتقضي
حياتها في الجنائز
وربما تأخذهُ المبالغة ُ
فيجعلها
صفراءَ
شاحبة
تحيا بنتا للغبار
وعاهة للشوارع .

في بيتنا رجال غرباء
إلى الشاعر/ حلمي سالم

زوجتي الحبيبة :
إذا وجدتِ رجالا غرباءَ
في غرفةِ نومنا
فلا تندهشي ،
تظاهري بالنوم ،
تظاهري بالشخير ،
تظاهري بالموات .
ثمة كلامٌ بيني وبين الرجال الغرباء
لا يصلحُ إلا في غرفِ النوم
لا يجوز إلا فجرًا
ثمة موعدٌ يختاره الرجالُ الغرباءُ بمشيئتهم
ثمة أسئلة في حمضِهم النوويِّ
لا يستطيعون كبحَ جماحَها
لأنها تدميهم
إذا لم تخرج .

الرجالُ الغرباءُ شبهُ مساكينَ
شبهُ بائسينَ
شبهُ ضائعين
لو كانوا يفتشونَ عن أدلةٍ
لما تعبوا
لكنهم يفتشونَ عن الخاطرةِ والفكرة
عن النيةِ والحلم
عن خبيئةِ القلب
عن الغمغمةِ في البال
عن ركلةِ الحصى في النهر
والأسماك ِالتي أهاجتها
عن الكلماتِ التي كتبت ومُحِيَتْ
عن الأوراق البيضاء
ماذا كانَ سيكتبُ فيها .

حبيبتي عساك تكونينَ نمْتِ فعلا
وعسى الرجالُ الغرباءُ
لا ينتبهون ليقظةِ العصافير
التي في قلبك .

ورقة


إن صنعوا مني مركبة
أو صاروخًا
أو حرَّقوا أطرافَ جسدي
أو شخبطوا فيما يظنونَ
أنهم يرسمونَ
ذلك أفضلُ
من أن ينصبوا فخاخًا
للمعاني بالكلماتِ
وهي ترعَى .

ادفنوني في زهرة

بإرادتي
ما خاصمتُ عطرا ،
ولا اخترتُ
أن يكونَ لعينيَّ
غطاءٌ ثقيلٌ
في كلِّ شارع أمرُّ
خلسة
كامرأةٍ حملتْ من سفاح
أصاحبُ كائناتٍ
لا تصارحني بقبحي
كائناتٍ تحيا
وتستمتع
لكنها لا تجازفُ
في محبةِ النور

جعلوني هكذا مملكة للأذى
وللروائح التي لا تطاق
ولكي يكفروا عن ذنبهم
عليهم أن يدفنوني
في زهرةٍ
أويكفنوني بشوكةٍ
على الطريق.

مرآة اللاشيء


من الآن فصاعدًا
لن أعكسَ وجوهًا
بل غير ذلك
ربما تحدقونَ
فترونَ بدلا منكم
وردًا
أو فراشاتٍ
أو ينابيعَ
ربما تجدون زواحفَ متلونة ً
أو صحراءَ بلا ظلال
أو حرائقَ
وقد تقفونَ
فترونَ ذراتٍ مشوشة ً
كما يحدثُ عندَ انقطاع البثِّ
لو كان فيما وراءَ وجوهِهم
معنى
لأبديت .

ظلالٌ تسيرُ بمفردِها وأشخاصٌ
لا ظلالَ لأحزانِهم

مع الظلِّ نفسِهِ
الذي تركتهُ
يمشي وحيدًا
ألتقي مجددًا
كلُّ الظلال عادتْ
إلى البيوتِ
والأرائك ِ
والأجسام التي طردتها
عادتْ - كقطط كانوا سربوها
في خرابةٍ
بينما هذا الظلِّ
لم يستطعْ أن يجتاز نافذة ً
لم يستطع أن ينسلَّ من ثقب باب
لم يستطع أن يتوحدَّ
بأحد ٍ
هو طريدُ الأضواءِ
كارهُ الشمس
مزدري النور
يرجوكم ألا تطؤوه صبحًا وعشيًا .

ليوم واحد فقط


اجعلوني ذبابة ً
ترعى
حيث لا يحدُّها حد
ذبابة عمياءَ
ليسَ إلا
يهشونها
أو يبيِّتون لاصطيادِها
إذا تمسَّحَتْ بأقدامِهم
ذبابة يصنعون لأجلها
شيشًا خاصًّا
ويحضرون ناموسيات
ذبابة من أجلِها يبنونَ مصانعَ إبادةٍ
و يسخِّرونَ فرَقَ رشٍّ عمومية
ذبابة عمياء
بلا أجنحةٍ
غارقةٍ
في صحْن .

دموعٌ يدُها ملوثة بدماء

صاحبي مات
بسببِ دمعةٍ
تحجَّرتْ بينَ جفنيهِ
ولم تخرجْ .

وأبي مات
بسببِ دمعةٍ
خرجتْ في مخاض سريع
وهو أمامنا
في صحن الدار .


أما أنا فسأموتُ حتمًا
بسب دمعةٍ ثالثةٍ
أفتشُ عنها
في صحارى روحِي
بلا جدوَى .

غير عابر


فأركَ البائسُ
الذي خلقته وتركته
فريسة في كلِّ حين
صار مكتئبًا
لأنَّ المسافة وحدَها تفصلـُهُ
عن النهايةِ
كما تقربه منها
لهاثٌ حياتهُ
اختباءٌ في جحور قذرةٍ
يسطو من الحرمان
وسريرُهُ ازدراءٌ أبدي
يرى المصائدَ
يرى الرفاقَ يموتونَ
ملتصقين بأماكنهم
يراهم ينزفون .

اليوم أعلنَ أنه لن يقرضَ شيئا
وأنه سيدعُ أسنانه تكبرُ
حتى يمسي فمُهُ غيرَ قابل للضمِّ
حتى يرحلَ تاركا
دهشة عابرة ً
لواضعي المصائد .

حذاءٌ يرثِي سيدتهُ التي غابتْ

الجمالُ ممددٌ على السجادةِ
ينتظره كفنٌ
أحمرُ الأظافر الذي جرحني
بلا زهوة ٍ
لا نزهة لي
لن تمرَّ بي فراشة على سلم
لن ينام جفنايَ
إذ لن يعيدني أحدٌ
إلى بيتي الأنيق
أنا الذي عَرَفَ
كيف تكونُ بطنُ القدم فتنة
وعرفَ لوعة الفراق
حين يأتي موعدُ النوم
فينزوي مقهورًا

كلُّ المحبينَ مضوا وبقيتُ
حافظتُ على نفسي
بينما رفاقي
اهترؤوا جميعا
وبُدِّلوا
عاشوا في بيوتٍ أخَرَ
بعاهاتٍ وإعاقات
منذ الآن فصاعدًا
سأحتضنُ الفراغ الذي في داخلي
وأبكي .

الذي نسِيَ أعضاءَهُ في الطريق

كمن نسِي جريدة ً
أو سلسلة مفاتيحَ
أو شنطة
وقف يفتشُ عن نصفِ ذاكرتِهِ
ونصف مشاعره
ونصف عينيه
كلما مرَّ من هنا
حدثَ ذلك
وإذا فكر في الاسترداد
خسر أكثر
أما اليومَ
سيستقلُّ نصفَ مقعدٍ في حافلةٍ نصف عمر
ويهرِّبُ نصفَ ما بقي
وغالبًا لن يعود .

الصَّدْع

على جانبَيْ يابسةٍ تتصدَّعُ
صارتْ قدماي تنفرجان
مع اتساع الشقِّ
علا نصفي الأيمن
ونصفي الأيسر
انخفض
ومن بين فخذي
وحتى رأسي صرت أتصدع .

كنتُ أصرخُ
خائفا على نظارتي
وأزرار قميصي
وصورةٍ منسوجةٍ في الشُّـرَّابِ
لفراشةٍ
بالكاد أخذتْ جناحيها
وطارتْ
قبل أن تهويَ فوقها صخرة ٌ
والصدعُ يقول لي كمُخَدَّر:
من شابَهَ أباه قد ظلم .

الماضي غير المكتمل

عندَ الغزو
كان على كلِّ امرئ
أن يفرَّ بأعز ما لديهِ
هناكَ مَنْ جعلَ حبيبته في قلبهِ
ومضى
هناك من عاهدَ زهرة متيبسة
كدليل على محبةٍ ما
وهرَّبَ دموعَهُ في منديل
ومضى
هناك من جرجر إماءَهَ
وخصيانهُ
وحراسَهُ
ودفاتر شيكاتِهِ
وبصق من ورائِهِ
ومضى ...


أما أنا فسأظلُّ ثاويًا
فوق التراب
لا لأطلقَ رصاصة ً
أو لأفجِّرَ نفسي في سوق
أو حافلةٍ
بل لأصيحَ في الغزاةِ
أيها السفلة
لم جئتم
متأخرين .

يفشلون

ينجحون
في كسر جناحَيْ طائر
برصاصةٍ
أو شرَك
يفشلون في جعل الطائر
يغيِّرُ نظرته عن الأرض
ينجحون في محبةِ السحابةِ
يفشلون في عزلها
عن الغبار
إذا تورطت في السقوط
ينجحون في تبييض أسنانهم
بالمعاجين
يفشلون في تسريبِ ذلك البياض
إلى قلوبهم .

أصبح لديه أسباب


بعدَ الحربِ
الدمُ ظلَّ على المودةِ
مع الغبار
بينما الحكمة تقادُ إلى المشفى
أصبح لديه أسبابٌ
للصمتِ الطويل
ولإعلان نفسهِ منطقة محظورة ً
كلما تذكر أنه مصنفٌ كإنسان
طأطأ رأسَهُ
حتى قدميهِ
من الخزي .

هجرة مبكرة للغاية

إلى أينَ هم هاربون
بحفاضاتِهم وعرائسِهم
بالكاد لهم سِنة أو سِنتان
بالكاد يمضغون القمحَ
المهروسَ في اللبن .

على ظهورهم لافتاتٌ
وأمامَ منافذ الهجرة
عرباتهم المشمَّسة ُ
تسدُّ الأفق .

لا هُويَّاتٌ معهم
ولا جوازاتُ سفر
وماذا يفعلُ ضباط الحدود
بقنابل الغاز
و خراطيم المياه .


أطفالُ الشرق
يلوحونَ للسفن المغادرة ِ
ويتذمرونَ
بضربِ الأرض بكعوبهم
كعوبهم الرقيقةِ
التي لا تزيدُ عن إصبع
إنسان كبير .

يتسربونَ خلسة ً
إلى البحر كالسلاحفِ
الخارجةِ من بيوضِها
باحثة عن حنان ما
مع أضواءِ ابتساماتِهم
حيثُ حياة ٌأخرى
لا شيخوخة فيها .

فقدنا الثقة


قالتها غزالة ٌ
وهي تفرُّ بعشبةٍ في فمها
دونَ أن تدري السبب
كان خلفها غبارٌ
وأمامها غبارٌ
والقطيعُ ليس ودودًا كعادتهِِِ
القطيعُ بعيدٌ بلا سبب
أمها بعيدة بلا سبب
لا وقتَ لديها لتسألَ
لا وقتَ لتراوغ َ
لا وقتَ لتتأسى .


كلُّ ما ستفعله الآنَ
هو تركُ صرخةٍ هائلةٍ
والتي لنْ تعطلَ شرهَ الصائد ِ
بل ستخدشُ بقوةٍ
أمانَ القطيع .

كراسة رسم


لا ترسموا راية خفاقة ً
ولا جنودًا يلوحونَ
بعلامةِ نصر ٍ
وخلفهم أسرى
جاثونَ على الهزيمةِ
بينما جنديٌّ فذ
يغرز سكينة ً
في قلب عدوه المرعوب
لا بطولة يصنعها لونٌ أعزلُ
في ورقةِ رسم
بلهاء .

شيزوفرينيا

يأتيهم في الوقتِ الذي
يكونونَ فيه بؤساءَ
فرحٌ .
بنفس المفتاح الذي يدخلهم
غرفة المأساة
دعابتهم تدخل .
يخافون من الضحكِ الزائدِ
ويتشاءمونَ
من طرفةِ العين
والقطط المتربصةِ بسلالمِهم .
وفي الجنائز
يخنقهم بكاءٌ حارٌّ
وأنينٌ جماعيٌّ
وتباغتهم ليلة العزاء
نميمة لاإرادية
على الميت .

المخلصُ دائمًا

إن جعلوني من زجاج شفاف
أو خشب
إن وضعوني أمام كاميرا
أو أخفوني بستارة
إن شمعوني
أو حبروا أصابع البُلهاء
بفسفور
فلا أحدَ قادرٌ
على معرفةِ
لصالح مَنْ أعملُ
أو كيف تتبدل الأسماء
أيتها الأوراقُ المثقلة ُ
برموز جمادات و حيوانات
هلمِّي إليَّ
فأمامنا ليلٌ طويلٌ
من العمل الشاق .

هَشٌّ

النهارُ هش
والظلام هش
الوقوفُ هش
والمضيُّ هش
قلبي في يدي هش
والدمعُ الذي أذابّ الخدَّ هش
الرملُ والظلُّ
الحبلُ السريُّ والعكاز
الفريسة والشرك
الصدمة والاعتياد
الورقُ والحنين
المنفى والحبر .

كوبري قصر النيل

الأسودُُ التي تحرسني
كلَّ ليلةٍ تقولُ :
لو كنا في حديقةٍ
لتشمَّسْنا في العبير
وأكلنا اللحم
الذي لم نشاركْ في صيده
اللحم الذي منهُ يهرِّبُ
العمالُ البؤساءُ لأبنائِهم
لو كنا في غابةٍ
لما استطاعوا اصطيادَنا
لأنَّ أظفارَنا التي تجرحُ
لن تداعبَ الغرباء


لكنْ
ها هو البرونز
الذي يطمسُ العيون
لا يلمعُ في الشمس
وها نحنُ
لا نستطيعُ محْوَ الغبار
عن رؤوسِنا .

مفقود

في كفِّ حبيبي
من رآني
من رأى زهرتي التي أخرجْتها
من قلبي
من رأى ظلي في الشارع يمرُّ
أو يكلمُ أحدًا
من شعر بي
وأنا أصعدُ السلالمَ
خاويًا
من أبصرني خلفَ نافذةٍ ذابلا
كلبلابةٍ لم يعد يسقيها أحد .
يفتشونَ عنهُ
ليردوه إليهِ
وهو جالسٌ أمامَهم كالحكمةِ
الباهتةِ التي
يكونُ الجنونُ أوجهَ منها .

نيو لوك


سأتخلصُ من يدي
لأنني لا أريدُ أنْ أسلمَ على آخرينَ
وطالما يدي معي
فسأشعرُ بالحرج
سأتخلصُ من عينيَّ
لأنني سأتجاهلُ آخرينَ
وطالما نظرتي كالطعنةِ النافذةِ
فسأشعرُ لا جدالَ بالحرج
سأتخلص من فمي
لأنه ضدُّ ما يقوله القلبُ
ومن القلبِ
لأن أبوابَهُ بلا مزاليجَ
والغرباءَ يسطونَ على كنوزهِ
وسأقعدُ بلا يدٍ
بلا عين ٍ
بلا فم ٍ
بلا قلبٍ
أنظرُ في داخلي
الذي باتَ فاتنا .

عصيانٌ مدني


كنتُ نيلا
أحملُ طمْيًا
وأغازلُ العشبَ
حتى يلين
كنتُ نيلا
لا توأمَ لي في الحياةِ
سوايَ
أغيظُ الصحارى
لم تمنعني ظروفٌ
من إغاثةِ زهرةٍ
عندَ فم البحر
كنتُ نيلا
لم تخوِّضْ في مائي خطيئة ٌ
ولم يَطفُ على وجهي
اتهام .

كنتُ نيلا
والآنَ أنا نهرٌ فقط
جرِّدَ من كلِّ نياشينِهِ
بسبب عصيان مدني من سنبلة .

لاشيءَ يمنعُ انهيارَنا


إنها الفرشاةُ الطويلة ُ
ذاتُ اليدِ الطويلةِ
كلَّ ليلةٍ أرفعُها
وأدهنُ السماءَ
من الأرض وحتى هناكَ
يبدو اللونُ صغيرًا كنبقةٍ
بالفرشاة أكتبُ أسماءَ من أحبهم
بالفرشاة أرمِّزُ للقلبِ
طوالَ الليل كرسام
ذاهبًا وآيبًا
ألونُ سحنة الليل
المنصتة كخفاش ٍ
الهائلة كالوداع
حتى إذا كدْتُ أنتهي
إذا بالطلاءِ كلهِ
كعشٍّ من النمل
ينهارُ فوقَ رأسِيَ الضئيل .

عمل يومي


كالغسيل
أنشرُ أعضائي
قلبي المتهرئَ كسروال فقير ،
رئتي الصادمتين كملابس حداد ،
روحي التي تكادُ تظهر .
أضعُ المشابكَ وأدخلُ .
لا لسْتُ قلقا من الهواءِ إذا اشتدَّ ،
لا ولا من العواصف ،
لا ولا اللصوص .
كلمَّا مَرُّوا
رأوني منشورًا على الحبال ،
وثمة أسئلة ٌ
تنهمرُ من عينيَّ المنشورتين ِ
على رؤوسهم ،
فيتطلعون كالوخزةِ
وهم يسبونَ
بالتأكيد
لم تعجبهم رائحة المسحوق
الذي أستعمله .

الخبز

الحلوةُ لم تعدْ تعجنُ خبزًا
في الفجر
لأنَّ ديكها مرهقٌ
بسببِ سعالِهِ المتكرر
لأنَّ الناسَ ضجرونَ من الحرِّ
ويسألونَ عن الخبز
لأن الصناعَ في المحلةِ
سألوا عن الرصاص الحيِّ
واستفسروا هل البكاءُ
في وجودِ قنابل الدخان مُخْز ٍ
أم مبرر ؟!
لأنَّ الحكومة تجاهلت
ياسمينة القلب
وشمعت حانة الانتماء .


الحلوة تستفسر
- وهي تدفن ديكها الوحيد
في مقبرة هائلة للديوك
لم الحياة ساكتة
لم المسئولون ثرثارون
و
لم الله شديد التأني .

لغة الداخل

تسلحْ
ضدَّ النهار
بالعين التي ترى بذاتِها .

تسلحْ
ضدَّ الشفاهَ
بلمس القلبِ نفسِهِِِ
لأنَّ لغة الداخل أبدًا
لا يخفتُ صداها .

تسلحْ ضدَّ المناديل
بالوقوفِ
على الجانبِ الآخر ِ
لحفرةٍ هائلةٍ
لا يمكنُ لخطى البكاء ِ
اجتيازُها .

في الشمال الغربيِّ
لقلبي البائس

ثمة زهرة ٌلا تكلمُها فراشاتٌ ،
لا يجلها نحلٌ .
شوكها ليسَ يؤذي ،
بياضٌ بائسٌ يحاصرُها ،
نهارٌ بائسٌ ،
هواءٌ بائسٌ .
لنْ تهدَى لأحدٍ .
لنْ تشاركَ في صنع عطر ٍ.
الشرفة التي فيها تلعنها .
تكادُ تقولُ للعجوز التي تسقيها
بينَ حينَ وآخرَ :
مددي إلى جواري شيخوختك
لكي نموتَ معا .

العدَائِيُّ


الضحكُ موجودٌ
لكنَّ الضحكَ
الذي يصدرهُ القلبُ مختطف .
الدمعُ متوفرٌ
بينما البكاءُ الصادقُ
لا يملكهُ أحد .
الأرضُ كذلك أضحتْ تحتاجُ
لتدخلاتٍ خارجيةٍ
لتنبتَ .

ببلاهةٍ
النباتُ ينمو
ولا يصدقُ أنهُ سيقعُ فريسة ً
لليرقاتِ
التي تنمو في نسيجه .
ماذا ستفعلينَ إذنْ
لكي تعودي كما كنتِ
من دون شوكٍ
أو نتوءاتٍ
يا أيتها الروحُ العدائية .

مأساةُ الأحذية


منذ أن كنتُ
جزءًا من الغابةِ
مصادقة ًلحيواناتٍ
لا تزيِّفُ مشاعرَها ،
وأنا أخشى على نفسي
كلما رأيتُ شجرة ً
يجرها أفيالٌ بائسة ٌ
إلى مصير مجهول ،
كلما رأيتُ الريبة
في عيون التماسيح
التي تغادرُ
خلسة خلسة ً
إلى مصير مجهول .


لأجساد الحيواناتِ كنتُ ،
الحيوانات
التي لم تزيفْ مشاعرَها قط .
والآن انتقلتُ
إلى فتارينَ ذاتِ بهجةٍ
يقالُ دائمًا أنني سأودعُها قريبًا
لأرافقَ كائناتٍ أخَرَ
لا أثق أبدًا
في أنها لا تزيفُ مشاعرَها .

انحناءة ُالدومينو

الدومينو الذي لديَّ غريبٌ
دومينو
لا يوفرونه في المقاهي ،
لأنَّ صوره فاضحة ٌ
حيثُ زعماءٌ وثوارٌ
يقفونَ في عريٍّ مخجل
بل وبلاد بأكملها
تقفُ عارية ً

لستُ ألعبُ بالدومينو مَعَ أحد ٍ،
بل أرصُّهُ في ساحةٍ بائسةٍ
كلَّ واحدةٍ خلفَ أختها
ثوارًا عراة ً ،
خلفَ زعماءٍ عراةٍ ،
خلفَ بلاد عارية .
كلَّ ليلةٍ هكذا أملأ الساحةِ بهم ،
ثم أدفعُ واحدة
بشهيقي الأسودِ
وانتحبُ كزوج عَايَنَ غريبًا
نائمًا في سريره
أو كصبيٍّ
محروم من الحلوى
بينما يتوالى السقوط .

أقول له : احمِني ؛ فيدهش

لا تتركني معي
لأنه حينَ تغلقُ غرفتي البائسة
أجدُ العدائيَّّ
يظهرُ فجأة ،
العدائيَّ الذي يستعملُ المبضعَ
في قلبي
وأنا يقظ ٌ،
العدائيَّ الذي يلقي ماءَ النار
في وجهِ الدنيا ،
هو نفسُهُ العدائيُّ
الذي لا يملكُ الشفقة
والبكاء ،

هو نفسُُ الذي يتجبَّرُ
على مخلوق ضعيفٍ مثلي
لا يطيقُ أن يرى عصفورًا
في شرَك ،


كلَّ ليلةٍ يورِّمُ أسئلتي
ثم ينسلُّ داخلا إليَّ ،
من نفس الخلية التي
كان
تسلل منها .

خروج نهائي


أستسلمُ لسحابةٍ
سوفَ تمسي ذاتَ مرةٍ
جزءًا من دموعي .

أستسلمُ لصبارةٍ
ما اصطحبوها لشرفةٍ
ولا سقوها
بيدين حانيتين
لكنها ستشهدُ انهدامي
بعدما يتركونَ الدموعَ ،
والظلال .


أستسلمُ
للوداع المحض
وللسكون المحض
وللتلاشي المحض .

أستسلم
- بوضع يدين مشبوكتين
خلفَ ماضي َّ،
ليد الهواء
وهيَ تقتلعُ من جدار وجهي
النافذة .

لا يتلاءم


لا يتلاءمُ مع الحنان
لأنهُ يجرحُ
كلما وُجدَتْ في اليد ِ
صدفة الوداع
لا يتلاءم مع الزهر
لأن الذينَ علموا موضعَ الشوكِ
بددوا العبير
لا يتلاءم مع الحنين
لأن كلَّ قارب ٍ
لا يعتني بالمجاديف ِ
يغرق .

كلُّ يد خائنة
والصدفُ ليسَ يصمتُ .
كلُّ جنةٍ إلى زوال .

معطل

أنا أو الكونُ
إما عيناي
وإما الشمسُ والتراب
إما اليدُ المولعة
بإغلاق الأبواب والنوافذ والهواتف
وإما الشجرة التي أوقفتْ عقاربَ الساعةِ
على الخريف
إما الشفتان المزمومتان
وإما القمرُ الذي لم نعد نراه
معطل عن الفعل
عن الصمت
عن الكلام
أنا أو الكون
أنا و الكون .

الحنانُ المبتور


ألجأ للشوكِ
لأنهُ من البدايةِ صادقٌ
ألجأ للصبار لأنهُ يحترمُ الشفقة
ألجأ للمعصيةِ
لأن الطاعة بغيضة
ألجأ للأرصفةِ
لأنها أحنُّ من البيوتِ
التي تحيا فيها ظلالٌ بالاسم
ألجأ للمتاهاتِ
لأن كلَّ خط مستقيم ٍ
ليسَ سوى انحناءة ٍ
لا تـُرَى
ألجأ للوداع
لأن السذجَ وحدَهم
يقبلونَ بالحنان المبتور.

معركة مع الغصن

أمي البدينة تركتني
مرت من شجرة لأختها
كالهواء تماما
أرضعتني بقدر
ثم علقتني على الغصن
وراحت .

من لي بثديها
ويديها وهما تنفيان عن جسدي
كائنات غريبة
لي فرصة واحدة فقط
فالغابة لا تمنح فرصتين لأحد
والغصن لا يمد يده لخائف
الغصن يقول :
" ثمة لحظة حاسمة "
ولا يكمل .


كلهم عالقون
بأغصان خفيفة
من حولي
عداها
يحثونني على القفزة الأولى
بينما إذا هويت
سوف يتركون دمي ذكرى
على الظل
وها أنا مضطر لمواجهة المصير .

غسالة العالم

أبحث عن غسالة
غسالة تغسل ملابس
كل الآدميين معا
في ليلة واحدة
سأبرمجها على غسل ملابس الجنود
وسترات القتلى
سأجعلها تغسل ملابس الرؤساء
وأسمال العابرين
وفي فـَم واحدٍ تغسل ملابس الملاحدة
وأصحاب الشرائع
طاردة كل البقع
وكل الوساخات .


سأحتاج حبال غسيل عملاقة
ومساحيق كالجبال
ربما أضع كل الأنهار فيها
ربما أستعين بالبحار والمحيطات
وأنتظرها وهي تزمجر
زمجرتها الخرافية
في لحظة البدء

لحظة التفاف أكمام ملابس الجماهير
حول ياقات قمصان الرؤساء
لحظةحصار ملابس القتلى
لمعاطف الجنرالات
لحظة مفاداة بدل الراقصات
للجلابيب الوقورة للشيوخ
وأردد ضاحكا كمجنون
بينما يأتيني العويل:
أيتها الأنسجة التي كانت زرعا واحدا
أرأيت كيف يكون انتقامي؟!

اللافعل

الساعة عالقة بدمعي
كلما تحركت
هزمتني المناديل
ريشي مقصوص بيد الزمن
وعلى وجهي مائدة
العين أمامها شوكة
اللسان خلفه سكين
الأوراق بعيدة
الحبر بعيد
الصمت ليس منزوع الدسم .
منذ شهر
منذ سنة
منذ بكاء طويل
أريد خريفا يهز أوراقي بعنف
أريد عاصفة تسحب الذكرى
على وجهها
أريد هاوية بليغة
لم يعد لدي على الأرض فعل
لم يعد لدي
فعل .

عن السماء التي فينا

النجوم التي ماتت في السماء
تخبرني أن أحدا
لم يلتفت لغيابها
تخبرني أنها ماتت
لأنه على الأرض لا أحد يسهر
تخبرني أنها تركت
ثقبا أسود مكانها
يسحق أي دخيل
تخبرني أنه من دون تأمل
عينين حبيبتين
أو شفتين تقولان
حين تصمتان
كلاما أحلى
يصبح داخل كل منا ثقب
يسحقنا نحن قبل أن يسحق
أي دخيل .

جيوكندا الشرق

لا إعاقة في ساقيها
ومع ذلك تحيا مرتبطة
بكرسي متحرك
لا إعاقة في يديها
ومع ذلك لا تمسك الأفراح جيدا
يسقط من يديها زمن
وأزهار
ورسائل حب .
لا قذى في عينيها
ومع ذلك ترمش كثيرا
وتنخدع في ماهية ما ترى
تشم وتتذوق بإتقان
تعرف الخونة والكذبة
لكنها تلفظ الحقيقة من فمها
بسبب مرارتها
تقول : أنا جيوكندا الشرق
أم الأساطير
جامعة النقائض
كل من يراني عقله يذهب
كل من يعيش فيَّ يجن .

سر الأنامل

أحيا بلا ألم
بلا شقاء
في العالم الذي يحترق
عن الينابيع التي ترحل
لأنك معي
لأن أناملك ترعى قلبي الغريب .


بلا غصن
بلا حديقة
كيف تنبت زهرة
بل كيف تنبت زهرة
فتنبت هي الغصن
والشجرة
والحديقة
كل من يسمع يقول
" لا يمكن
لا صدف يوجد بحرا "
والذين رأوا أناملها في قلبي
وهي تكنس الجدب بإشارة
قالوا: صدق .

بسبب عطرك
كم حديقةٍ فقدت صوابها
وكم جرحت الأيادي سكاكينُ
- وهي لا تدري -
بسبب عطرك
كم أخطأت الفراشات وجهتها
والنحل
بين رحيقين
كم ظل حائرا
حتى التبس عليه الأثر .


وبسبب ابتساماتك
كم سقط غيم
في غير موضعه
كم ارتحلت أنهار كالمجاذيب
لأجلك
لأجل ابتساماتك
ابتساماتك تلك .

ومنذ أن عرفتك
لم تزرني أرصفة
لم تخبطني قيلولة بالرأس
كل زهرة ذبلت
عادت معك
أمام ذهول الحديقة .
ماذا تخبئين في قلبه
كل مرة
أي عالم تحجبين
أي عالم تبدين
كل مرة
بأناملك تلك .


بطاقة تعارف
إيهاب محمد حنفي خليفة: شاعر مصري
مواليد المحلة الكبرى
9-12-1972م
تخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية
جامعة طنطا 1995م
عضو اتحاد كتاب مصر
***
صدر للشاعر :
* أكثر مرحا مما تظن 1997م سلسلة ديوان الكتابة الأخرى
* طائر مصاب بإنفلونزا 2006م
* مساء يستريح على الطاولة القاهرة 2007م

***
نشرت قصائد الشاعر في :
أخبار الأدب – أدب ونقد – إضاءة 77 – الكتابة الأخرى – الشعر- الرافعي – النهار – القاهرة- الأهرام المسائي بجانب الدوريات الخاصة بالإقليم وغيرها .
• قام الدكتور / محمد عناني بترجمة بعض نصوص الشاعر إلى الإنجليزية .
• كما ترجمتها إلى البولندية الدكتورة أجنيشكا بتروفسكا في دراسة خاصة عن الشعر المصري الجديد
***
متابعات إعلامية قدمت عن الشاعر :

*من المحافل الأدبية (البرنامج الثقافي ) 25/8/2006
* برنامج تقرير قناة التنوير 15/9/2006
* برنامج شارع الكلام ( قناة النيل الثقافية ) 14/7/2007
* برنامج رسائل (القناة الثالثة المصرية ) 18/7/2007
* برنامج من المحافل الأدبية 31/8/2007
* برنامج الكاميرا تقرأ 2008
* برنامج أنا المسئول .
* برنامج من المحافل الأدبية 6/8/2009
***
دراسات نقدية ومقالات :
1- جدلية المهموس والمجهور . د/ حسام عقل
2- الهامش كبديل عن مركز زائف. عمر شهريار
3- نصوص التقمص . حاتم الجوهري
4- شعرية التناقض . أحمد الصغير المراغي
5- خصام النفس غادة نبيل
6- شعر يستريح إلى الخيال هالة دحروج

7 - قبل الليل بشارع د / عبير سلامة جريدة الدستور الأردنية
( وغيرها.)

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المتابعون

أرشيف المدونة الإلكترونية

من أنا

صورتي
القاهرة, Egypt
إيهاب محمد حنفي خليفة مواليد المحلة الكبرى 9-12-1972م تخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية جامعة طنطا 1995م عضو اتحاد كتاب مصر *** صدر للشاعر : * أكثر مرحا مما تظن 1997م سلسلة ديوان الكتابة الأخرى * طائر مصاب بإنفلونزا 2006م * مساء يستريح على الطاولة القاهرة 2007م * قبل الليل بشارع 2008م * تحت الطبع القلب الخالد . * تحت الطبع إنسان كلب بأجنحة ملاك . *** نشرت قصائد الشاعر في : أخبار الأدب – أدب ونقد – إضاءة 77 – الكتابة الأخرى – الشعر- الرافعي – النهار – القاهرة- الأهرام المسائي بجانب الدوريات الخاصة بالإقليم وغيرها . • قام الدكتور / محمد عناني بترجمة بعض نصوص الشاعر إلى الإنجليزية . • كما ترجمتها إلى البولندية الدكتورة أجنيشكا بتروفسكا في دراسة خاصة عن الشعر المصري الجديد

الجمعة، 14 مايو 2010

النص كميكانو والذات غير متصلة بذاتها

النص كميكانو والذات غير متصلة بذاتها
قراءة في " موسيقى طعنتني من الخلف "
للشاعر اليمني فتحي أبوالنصر
***
إيهاب خليفة
توطئة :
ثمة وعي عميق بمنجز قصيدة النثر ومغامرة ضافية لإعادة موضعة اليقين والأنساق الجمالية ووظائفية الحواس، بحيث نجد جماليات النص تنبني على شظايا اليقين الجمالي والمعرفي والتاريخي ، من أجل تكوين ميثولوجيا لذات تضاد نفسها على الدوام ( إن قدمي تؤلمني الآن / لقد مشيت كثيرا ، ولا أعرف السبب الحقيقي / ترى هل كنت أدور حول نفسي ص 202 ) ، تمارس الذات في موسيقى طعنتني من الخلف قطيعة معرفية حادة ومتوترة مع ما هو مقدس ، حيث لا تابوه متحصن ، ولا دال أو مدلول يحيا في برج عاجي ( يلزمك حرب مقدسة مع السماوات / مع الحب ومع القصيدة / معك ص 95 ) ، إنها كذات غير متصلة بذاتها ( الكلمات ميتاتي وطعام الذين لا أعرفهم / هل كان لزاما علي أن أنفصل عني- إلى هذا الحد – حتى لا أختنق بي ؟ ص 27 ) تزيل الركام عن جسد اللغة باعتبار كل حبر سابق تشويها لبدائية اللغة ، وباعتبار كل حبر تال مزيلا لذلك التشويه ومجذرا لتشويه آخر ( تأخذ الأشياء طهارتها حين لا ينتظرها أحد / لكن الأشياء تنتظرها الأشياء دائما / إذن الأشياء – للأسف – ملوثة بذاتها ص 31 ) ، مما يؤكد أن براءة اللغة وشفافيتها ليست متحققة من وجهة النظر الموضوعية إلا كطفرة غير ممهد لها ، ترتكن النصوص لحقيقة اللاحقيقة ، ليقين مخادع لا يلبث أن ينهدم بتلقائية ليقدم لنا شظايا حادة من أسئلة لا تسعى لإجابات ما على أي وجه ، هناك في المقابل استهجان جلي ومتجذر للذات وللآخر ( يا كلاب الصيد / يا كلاب الحراسة / نحن الكلاب الضالة ص 36 ) ، للشعر نفسه ، وللكتابة عموما ( الشاعر يبتسم بعكازين ص 49 ) ، هل تتوجه إذن نصوص " " موسيقى طعنتني من الخلف " إلى عبث ما كامن ومتسلح بهذا الزخم الذي يلمح مرارا ويصرح أحيانا ، الذات الشاعرة هنا تقع فريسة السادية ، لذتها كامنة في خرق المقدس و جرجرة المتعالي على بلاط العادية ، وإعلاء الآني في مقابل الأبدي ، والهش في مقابل المتماسك ، والمنمحي بإزاء المتجذر ، والصدفوي بإزاء المتكرر والنمطي ( كل فزع نبي / وكل فزع أنا / وكل نبي لا أومن به ص 85 ) ، وهذه الذات أيضا تقع فريسة المازوشية فتنتقض على ذاتها مرات وتمارس تشويها لنفسها ( سأشتهي أن أموت منتحرا / وسأكون قبرا لفراشتين ووردة ص 69 ) بينما المتلقى في " موسيقى طعنتني من الخلف " مغدور به على الدوام .
لماذا عنوان كهذا يعمد إلى تشويه البراءة المتضمنة في كلمة موسيقى إنه لا يصم النشاز بالطعن ، ولماذا يكون الطعن من الخلف ، أكانت الذات مطمئنة وغير متوقعة لغدر ما ؟ هل ثمة استدعاء ما لميراث الغدر المطلق في التخلص من الخصوم ؟ ولماذا تشير طعنتني إلى تحقق ماضوي منته ومنقض ولا تؤشر إلى استمرارية واستشراف آت ؟ ثم كيف تكون طعنة الموسيقى ؟ هل ثمة أحد جربها قبل فتحي ليحكي لنا ؟ أتكون طعنة نافذة أم رخوة ؟ أتكون طعنة لذة أم طعنة ألم ؟ أم أن طعنات الموسيقى مرتبطة بانسحابها كهاجس ملائكي عن عالم الكتابة ؟ أم أن الموسيقى ليست موسيقى أصلا ومؤولة ... أم أن الشاعر هو الذي سيعطي الموسيقى الفرصة لطعنه بطمأنينته الكاملة لها ...هكذا تضعنا " موسيقى طعنتني من الخلف " على أسئلة مثارة تصلح أن توقفنا بدهشة كاملة لأن نخوض في شعرية مغايرة عن السائد .
سنحاول الآن وصف تجربة " موسيقى طعنتني من الخلف " ورصد بعض سماتها المهمة :
1 - النص كميكانو : كهاجس مطرد يدحر الأنساق الكلاسيكية المتعارف عليها " .. " يتوجه الديوان إلى تبديد ميراث النمذجة الشكلية بنمطيتها ومجانيتها ومجافاتها للخلق الشعري فتتكئ على دلالات بلا مرجعية يقينية بحيث يصبح سطح النص عاكسا لنثار ذوات متناثرة ومتنافرة ، يقدم النص كميكانو حر البناء طفولي الحالة قارنا الشعر باللعب مما يتاخم تجليا لقصيدة نثر لا نمطية ينعتق فيها الشكل عن إرادة عليا لذات عالمة ومشيئة مهيمنة على دلالاتها فلا وصاية سوى للحظة الشعرية ذاتها ويعتبر نص " كلاكيت ص 45 : أبرز دال على توجه موسيقى فتحي أبو النصر إلى الميكانوية
سيموت كثيرا
سيموت متعثرا ليس حائرا
سيموت في زواياه
سيموت بترف كالهواجس
سيموت عمودياوأفقيا
سيموت بالقرب من ضحكة عينيه المنتصبتين
سيموت كجملة مختصرة . يموت قبل مطلع النهار وبعد مغيب
الشمس بقليل .سيموت قادما . سيموت ناعما وبقسوة وهو
ينحر الأعنية بينما ينتحر فيه المغني . سيموت كممر . سيموت ...
وهكذا تتوالى الدلالات كطعنات متتالية في جسد هذا الغائب الأبدي الذي سيحتمل الميتات كلها وينسحق من كل زاوية ... أي موت إذا يعنيه النص أهو موت لذات منشقة عن إرث الجماعة أم موت لذات مبتسرة تختصر الذوات الأخرى المبتسرة في ذاتها فتتم تشوهها ويكتمل اكتمالها المضاد غير المكتمل نفسه عبر فداحة الاكتشاف حيث تخنقها المعرفة بنفسها .
سيموت من أجل كل الذي لم يعرفه
سيموت في الأسرار المقشرة
سيموت كدودة قز أحيانا وأحيانا كما سيجارة أو مخلب .
فالمصائر واحدة فالدودة التي تهدينا الحرير سوف يفترسها النسيان والسيجارة تحضر كعلاقة براجماتية محضة كما أن المخلب سوف يهرم وينكسر في سياق سيرورة ذات الصائد عبر تحولها من صائد إلى فريسة لزمن يلهث بوعي بهدوء خلف الذات وهكذا تتوحد المصائر وتتكفن بعدمه النهايات .
هنا يمكننا إعادة بناء نصوص عديدة بسحب هذه البنى إلى أسفل أو إلى أعلى فتظل رغم ذلك فكرة الموت وانسحابها كذات مهيمنة مسيطرة على دلالات النص كاملة مهما تعددت أنماط توالي العبارات فيه ، مما يلغي فكرة مركزية النص الشعري بل وينسفها من جذورها في عدد غير قليل من " موسيقى طعنتني من الخلف "
ومثل كلاكيت تتجلى هذه الشعرية الميكانوية في نص " أن " ص 86 الذي يشير إلى اللاتحقق الأبدي :
أن تشتري أحلامك بدون رصيد
أن تشتري وردا ولا تجد من تهديه
أن تربي الأمل تحت جفنيك فلا يكبر
أن تتشكل في هموم السحابة
أن يمتلئ دمك بغبار القصيدة بدلا عن فاكهتها
أن يكوت الصمت ثرثرتك عندما تشتد كقوس
....
أن تمر بقرب جنارة فيغلبك الظن أنها لك
أن
العشرات من " أن " يكني بها عن الذات المشوهة حد تلاشي سماتها الرئيسية منذ النشأة وحتى الانمحاء التام :
أن تسكر و ظلك
أن يكون المستقبل للكوابيس المشعة
أن لا يرتاح ربان روحك ولو قليلا بينما محطيات السهر لا تنحسر
أن يموت عصفور في حديقة شرودك
أن

2 – الشذرات المكتملة :
تزخر " موسيقى طعنتني من الخلف " باطراد دائم نحو اختزال النص الشعري حد التقشف وتكثيفه وتقطير اللحظات الشعرية متكئة على نص إبجرامي شديد الرهافة والجدة ، وتأتي تلك النصوص في توال مطرد مما يجعل الديوان يتسارع إيقاعيا و تتموقع هذه الشذرات بينية في المسافات التي تلي النصوص الطويلة التي تعتمد الثرثرة تقنية لها ،تكشف هذه الشذرات استنارة أخرى في نص فتحي أبو النصر حيث يقلب تربة المفهوم الشعري بأمزجة عديدة مقدما مغامرة شعرية من نوع خاص ، هنا يحتاج التلقي إلى إنصات رهيف للدلالات المتوارية والرؤى المشيدة في بإتقان في المسافة الكامنة بين الحبر والبياض ، ويمكننا إيراد شذرة أو شذرتين على سبيل المثال :
يتم ص 44 :
أيها الوقت رفقا بالنبتة المتعكزة
أيها الوقت لا تقصص دمي على نواياك
عندما ضيع الشاعر مساءه حن إلى نبتته
لعل هذا اليتم
قبيلته الوحيدة .

يعتبر " يتم " نصا طويلا نسبيا مقارنة بالشذرات الأخرى ، الذات الشاعرة هنا تتلمس أسباب الحياة لغيرها بعد أن ضيعت خلوتها بذاتها وطامنت التشاغل بغيرها وبينما مررها الوقت في خدائعه حين وشى بسرها الداخلي نابذا إياه بنواياه من حيث الانقطاع والتلاشي غير منصت للشاعر وإرادته المهدرة حيث لا يبقى للشاعر حياة سوى رعي النبتة الوحيدة التي تتعكز في محاولة لاستمراريتها ، تنكشف هنا حقيقة تجذر الوحدة وعدم القدرة على مغادرتها فهي تمثل قبيلة بدائية ينتمي إليها الشاعر راجيا منها انتسابه لها " لعل هذا اليتم قبيلته الوحيدة " ص 44 .

شذرة غير مستقلة في نص " موسيقى طعنتني من الخلف " رقم 38
أرتطم بي فيتهشم الآخر
الارتطام هنا ليس ارتطاما ماديا بل ارتطام في خدش الذات بأسئلة تكاشف فيها هواجسها و لا تعطي صك الاعتراف للإجابات حيث تقع في شرك الإجابات المخاتلة ، ومع انكشاف الحقائق وتعريها تنهدم الذوات جميعا فالآخر يتهشم بفعل داخلي في الذات الشاعرة .

أخيرا الذات الشاعرة في تجربة " " لا تسعى من بعيد أو قريب إلى مواءمة نفسها ومهادنتها ولو مؤقتا مما يجعلها غير متصلة فعليا بذاتها حيث تعبر النصوص وتزداد الشقة بين الشاعر ونفسه فلم يعد ثمة عودة لبراءة ما :
تلك المسافة المبهمة بيني وبيني
أتخاطفها أنا .. ثم أبكي بخبث
وأتكاسر على جثتي . ص 80
__________
كاتب المقال شاعر مصري.
فتحي أبو النصر شاعر يمني .